"الوثائقية"المصرية تهب خريطتها لشهر اكتوبر احتفالا بنصر مصر فى حرب اكتوبر 1973
"الوثائقية"المصرية تهب خريطتها لشهر اكتوبر احتفالا بنصر مصر فى حرب اكتوبر 1973
* 7 أفلام وثائقية وسلسلتان تستعيد بها الشاشة حكايات النصر..
* من غرفة العمليات إلى شفرة النوبة ووثائق واشنطن
سهى زكى
ما اجمل أن يخرج التاريخ من بين صفحات الورق ليتحول لصوت وصورة كي تشاهده اجيال لم تعشه وربما لم تسمع عنه ، وما أجمل أن تستعين بتسجيلات بدائية للحظات عظيمة كي تكون شاهدة علي لحظات لا يمكن إنكارها ، لحظات حدثت في زمن ليس به ذكاء اصطناعي ، بل كان الجميع فيه يتمتع بذكاء طبيعي وروح إنسانية عالية .. ومع شهر أكتوبر من كل عام لم يعد يكفي ان تعود الذاكرة لمجرد صورة قديمة معلقة على جدار التاريخ، ولا يتحول النصر إلى حكاية محفوظة نردد تفاصيلها كل عام ثم نمضي.
فهناك دائما ما يمكن اكتشافه من جديد، وما لم تقله الصور وحدها، وما تخبئه الوثائق في أوراقها، وما بقي حيا في ذاكرة الرجال الذين عاشوا الحرب من داخل غرف العمليات وعلى الجبهة وفي سماء المعركة.
بعد 53 عاما من حرب أكتوبر، ما زالت تفاصيل تلك الأيام قادرة على أن تفتح أبوابا جديدة أمام الأجيال التي لم تعاصر الحرب، لتتعرف إلى ما جرى قبل العبور، وكيف جرى الإعداد للمعركة، وكيف أديرت المواجهة، وما الذي كان يدور في الغرف المغلقة بينما كانت المدافع والطائرات تعلن بداية واحدة من أهم صفحات التاريخ المصري الحديث.
ومن هنا تأتي خريطة قطاع الإنتاج الوثائقي بشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي تقدمها قناة "الوثائقية" احتفاء بالذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات حرب أكتوبر المجيدة.
حيث تقدم الوثائقية لشهر اكتوبر عدد من الاعمال الوثائقية عن الحرب وكواليسها من أبرزهم سبعة أفلام وثائقية وسلسلتان يفتح كل منها ملفا مختلفا من ملفات الحرب، بين شخصية صنعت جزءا من المشهد، ومركز قيادة ظل محاطا بالسرية، ومعركة جوية، ومنظومة دفاعية، وشيفرة أربكت حسابات العدو، ووثائق أمريكية تكشف ما كان يجري خلف الكواليس، وشهادات مباشرة من رجال خاضوا الحرب بأنفسهم.
هي خريطة لا تكتفي باستعادة مشاهد النصر، وإنما تحاول الاقتراب من تفاصيله، عبر شهادات خاصة، ومواد أرشيفية نادرة، ووثائق عربية وأجنبية، لتصبح الشاشة أشبه بأرشيف مفتوح يعيد قراءة الحرب من أكثر من زاوية.
"خطاب النصر".. ماذا قال السادات في اليوم الحادي عشر
أحيانا يكون الخطاب وثيقة بقدر ما يكون كلمة، وتصبح الجملة التي قيلت في لحظة تاريخية مفتاحا لفهم ما كان يدور خلفها.
من هنا يبدأ فيلم "خطاب النصر" الذي يتوقف عند خطاب الرئيس الراحل محمد أنور السادات أمام مجلس الشعب في 16 أكتوبر 1973، في اليوم الحادي عشر من الحرب.
لا يتعامل الفيلم مع الخطاب باعتباره نصا محفوظا من الماضي، وإنما يعود إلى الظروف التاريخية والعسكرية والسياسية التي أحاطت به، ويتتبع تفاصيل صياغته وإعداده وإلقائه، وما حمله من رسائل إلى الداخل والخارج في لحظة كانت فيها مصر تخوض حربا مفتوحة، بينما كانت المنطقة والعالم يراقبان تطورات المعركة.
وفي هذا السياق يصبح الخطاب نافذة على اللحظة نفسها، وعلى الطريقة التي أرادت بها القيادة المصرية أن تقدم رؤيتها للحرب وتطوراتها، في وقت كانت فيه المعارك لا تزال مستمرة.
"غرفة العمليات.. حكاية المركز رقم 10".. الحرب التي كانت تدار تحت الأرض
لكن قبل أن تصل أخبار المعركة إلى الناس، وقبل أن تتحول اللحظات العسكرية إلى بيانات وخطابات وصور، كانت هناك حرب أخرى تدور في مكان شديد السرية.
تحت الأرض، وفي قلب منظومة القيادة والسيطرة، كان "المركز رقم 10" يمثل مركز القيادة الرئيس للقوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر.
فيلم "غرفة العمليات.. حكاية المركز رقم 10" يعود إلى قصة هذا المكان، الذي أنشئ في سرية تامة تحت الأرض عقب صدمة يونيو 1967، في إطار عملية إعادة بناء القوات المسلحة على أسس علمية.
ويفتح الفيلم ملفا لا يتعلق فقط بمكان عسكري، وإنما بكيفية الاستعداد لحرب بدت في بدايتها بعيدة المنال. فمن فكرة إنشاء المركز وتصميمه، إلى إجراءات إخفائه وتأمينه، تتشكل قصة جانب من عملية إعادة بناء الدولة المصرية لقدرتها العسكرية بعد يونيو.
ويستند الفيلم إلى شهادات عسكريين وخبراء ومؤرخين، ليقترب من تفاصيل المركز الذي كان أحد الأماكن التي تدار منها واحدة من أخطر لحظات التاريخ العسكري المصري.
"الشاذلي.. رئيس أركان النصر".. الرجل خلف خرائط العبور
وفي قلب أي حرب تقف أسماء الرجال الذين حملوا مسؤولية التخطيط واتخاذ القرار.
ومن بين هذه الأسماء يأتي الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر، الذي تتناول سيرته قناة "الوثائقية" في فيلم .
يبدأ الفيلم من البدايات ، من نشأته و التحاقه بالكلية الحربية، ثم مشاركته في حرب فلسطين، و تأسيسه أول كتيبة مظلات في الجيش المصري، مرورا بالأدوار التي اضطلع بها خلال حرب الاستنزاف، وصولا إلى مرحلة التخطيط والإعداد لمعركة العبور.
وهنا لا تصبح السيرة الشخصية منفصلة عن سيرة الحرب، وإنما تتقاطع معها في محطات عديدة، لتظهر كيف انتقل الرجل من مراحل التكوين العسكري إلى موقع رئيس أركان الجيش في واحدة من أكثر المعارك تعقيدا في التاريخ العسكري المصري.
"معركة المنصورة.. يوم انكسرت أجنحة العدو".. خمسون دقيقة في السماء
وبينما كان جنود المشاة يعبرون قناة السويس، كانت سماء مصر تشهد معاركها الخاصة.
في فيلم "معركة المنصورة.. يوم انكسرت أجنحة العدو" تعود "الوثائقية" إلى واحدة من أبرز المعارك الجوية في التاريخ العسكري، وهي معركة المنصورة التي استمرت أكثر من 50 دقيقة.
وراء هذا الرقم القصير زمنيا حكاية طويلة من المواجهة والشجاعة، ولذلك لا يكتفي الفيلم باستعادة وقائع المعركة، وإنما يقدم شهادات عدد من أبطالها الذين ما زالوا على قيد الحياة، لتصل تفاصيل المواجهة من أصحابها الذين عاشوا لحظاتها في السماء.
هنا تتغير زاوية النظر إلى الحرب مرة أخرى، من غرفة العمليات إلى قمرة الطائرة، ومن الخرائط إلى السماء المفتوحة، حيث كان الطيار المصري يخوض معركة أخرى دفاعا عن سماء وطنه.
"عبد القادر حاتم.. قصة رجل خدع العدو" حين أصبحت المعلومة جزءا من المعركة
الحرب لا تخاض بالسلاح وحده، ففي بعض اللحظات قد تكون المعلومة التي تصل إلى العدو، أو تلك التي لا تصل إليه، جزءا من الخطة العسكرية نفسها.
وهذه هي الحكاية التي يتتبعها فيلم "عبد القادر حاتم.. قصة رجل خدع العدو" الذي يتناول سيرة الدكتور محمد عبد القادر حاتم، نائب رئيس وزراء الحكومة التي عرفت بـ"حكومة الحرب"، ووزير الإعلام خلال حرب أكتوبر
، يكشف الفيلم عن مشاركته في إعداد وتنفيذ خطة الخداع الاستراتيجي التي سبقت الحرب، إلى جانب دوره في إدارة الإعلام المصري قبل المعركة وأثناءها.
ومن خلال هذه السيرة يطل جانب آخر من جوانب الإعداد للعبور، حين أصبحت إدارة المعلومات والصورة والخبر جزءا من معركة أوسع هدفها تضليل العدو وإخفاء حقيقة ما يجري الاستعداد له.
"حائط الصواريخ ..سماء مصر تستعيد قدرتها
أما السماء، فلم تكن وحدها مسرحا للمعركة، بل كانت أيضا هدفا لعملية بناء عسكرية طويلة سبقت أكتوبر.
فيلم "حائط الصواريخ" يوثق ملحمة بناء منظومة الدفاع الجوي المصرية عام 1970، ودورها في تأمين سماء الجبهة خلال حرب أكتوبر.
ويرصد الفيلم مراحل التخطيط والإعداد والإنشاء التي تمت تحت القصف المستمر خلال حرب الاستنزاف، في واحدة من العمليات التي احتاجت إلى عمل متواصل في ظروف بالغة الصعوبة.
ولا يتوقف الفيلم عند مرحلة البناء، وإنما يتتبع أيضا عملية تحريك المنظومة على الجبهة خلال الساعات الأخيرة قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ وفقا لمبادرة روجرز الثانية عام 1970.
ومع اكتمال "حائط الصواريخ" حدث تحول استراتيجي في مسار المواجهة العسكرية، ليصبح الدفاع الجوي أحد العناصر المهمة في تأمين الجبهة وصولا إلى حرب أكتوبر.

"سر الشفرة"..
حين تكلم المصريون بلغة لم يفهمها العدو
وفي إحدى أكثر الحكايات إثارة، تفتح «الوثائقية» ملف الشفرة التي ولدت من قلب الثقافة المصرية.
"سر الشفرة" يروي قصة البطل المصري أحمد إدريس، صاحب فكرة استخدام اللغة النوبية شفرة للاتصالات الشفهية خلال حرب أكتوبر.
تبدأ الحكاية من أسوان، حيث ولد أحمد إدريس، ثم انتقاله إلى القاهرة وتأثره بأحداث معركة الإسماعيلية، قبل أن يتطوع في القوات المسلحة عقب ثورة يوليو 1952.
وتتقدم الحكاية حتى تصل إلى اللقاء الذي جمعه بالرئيس محمد أنور السادات قبيل الحرب، ثم إلى الدور الذي لعبته الشفرة النوبية في إرباك حسابات العدو خلال الحرب.
إنها حكاية تكشف كيف يمكن لفكرة تبدو بسيطة في ظاهرها أن تتحول إلى عنصر من عناصر المعركة، وكيف خرجت إحدى أدوات المواجهة من خصوصية المجتمع المصري وثقافته ولغاته.

"أكتوبر في الوثائق الأمريكية".. عندما تتحدث أوراق واشنطن
وإذا كانت الأفلام السبعة تقترب من الحرب عبر الرجال والمعارك ومراكز القيادة، فإن السلسلة الوثائقية "أكتوبر في الوثائق الأمريكية" تفتح نافذة مختلفة تماما: نافذة الوثيقة الأجنبية.
السلسلة تقدم قراءة توثيقية معمقة في عدد من الوثائق الأمريكية المفرج عنها الخاصة بحرب أكتوبر، لتتبع ما كان يجري في واشنطن من اتصالات وتقديرات وتحركات في الأيام التي سبقت الحرب وأثناءها.
ومن خلال هذه الوثائق تتكشف تفاصيل المفاجأة الأمريكية لحظة العبور، وصدمة واشنطن من حجم الخسائر الإسرائيلية خلال الأيام الأولى من المعركة، ثم قصة الجسر الأمريكي لتعويض خسائر إسرائيل.
كما تتناول السلسلة حقيقة "الثغرة"، وأثر سلاح النفط العربي في مجريات الأزمة، وصولا إلى خروقات إسرائيل لقرار وقف إطلاق النار، والشروط التي فرضتها مصر على مائدة التفاوض عقب انتهاء الحرب من موقع الطرف المنتصر.
وبذلك تنتقل الحكاية من أرض المعركة إلى غرف القرار الدولية، لتقرأ أكتوبر ليس فقط من الوثائق المصرية، وإنما أيضا من الأوراق التي سجلت ما كان يحدث في الجانب الآخر من المشهد.

"أنا حاربت إسرائيل".. حين يتحدث أصحاب الحكاية
لكن مهما كثرت الوثائق والصور والتسجيلات، تظل شهادة من عاش الحرب واحدة من أكثر أشكال التوثيق قربا من الإنسان.ولذلك تواصل قناة "الوثائقية" تقديم الموسم الرابع من السلسلة الوثائقية "أنا حاربت إسرائيل"، بعد نجاح المواسم الثلاثة السابقة.وفي الموسم الجديد تسجل السلسلة شهادات خاصة وحصرية جديدة لعدد من أبطال حرب أكتوبر من مختلف محافظات مصر ومدنها وقراها.ضباط وجنود من الجيش المصري يعودون أمام الكاميرا إلى الجبهة، لا ليروا الحرب من خلال كتب التاريخ، وإنما ليستعيدوا تفاصيلها كما عاشوها: المعارك والعمليات، واللحظات التي بقيت عالقة في ذاكرتهم، وما شاهدوه وشاركوا فيه خلال أيام المواجهة.وهنا تصبح الجغرافيا المصرية كلها جزءا من الذاكرة، من المدن إلى القرى والمحافظات، حيث خرج رجال حملوا السلاح وعادوا يحملون شهاداتهم، لتنتقل الحكاية من جيل إلى جيل.
سبعة أفلام وسلسلتان.. ذاكرة واحدة
هكذا تبدو خريطة "الوثائقية" في الذكرى الثالثة والخمسين لحرب أكتوبر أشبه بكتاب كبير مفتوح على أكثر من باب.
باب يقود إلى خطاب السادات، وآخر إلى غرفة العمليات تحت الأرض، وثالث إلى سيرة سعد الدين الشاذلي، ورابع إلى سماء المنصورة، وخامس إلى حرب الخداع الإعلامي، وسادس إلى حائط الصواريخ، وسابع إلى شفرة أحمد إدريس.
ثم تمتد الخريطة إلى الوثائق الأمريكية، وإلى شهادات الذين خاضوا الحرب بأنفسهم.
وبين هذه الملفات جميعا تظل هناك حكاية واحدة: حكاية شعب وجيش استعادا القدرة على الفعل بعد سنوات ثقيلة من الانكسار، وخاضا معركة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، وإنما لحظة فارقة أعادت كتابة صفحات من التاريخ المصري.
لذلك تأتي هذه الأعمال في إطار حرص قناة "الوثائقية" على توثيق بطولات القوات المسلحة المصرية وتضحيات أبطالها، وإلقاء الضوء على المحطات الكبرى في تاريخ مصر، وتقديم مروية موثقة للأجيال الجديدة التي لم تعاصر تلك الأحداث.
فأكتوبر لا يعيش في الصور القديمة وحدها، ولا في البيانات العسكرية التي حفظها التاريخ، وإنما يظل حيا كلما عادت وثيقة إلى النور، وكلما تحدث أحد أبطال الحرب، وكلما اكتشف جيل جديد أن وراء لحظة العبور حكايات كثيرة، بعضها عرفناه، وبعضها ما زال ينتظر أن تفتحه الذاكرة.






تعليقات