نونو فى اول يوم مدرسة

Thursday, January 24, 2008

سرير الرجل الايطالى


رواية الروائى الشاب محمد صلاح العزب
صدرت من دار ميريت للنشر والتوزيع
وسيقام حفل توقيع الرواية بأذن الله
1 فبراير بسراى 4ب
فعلى من يرغب فى القراءة لكاتب مشاكس مشتبك وجرىء واثار الكثير من الأراء المتناقضة عندما نشرت روايته فى جريدة الدستور ثم تم منعها
فليذهب ليعرف لماذا منعت من النشر فى جريدة الدستور وها هى نشرت بالفعل ، بل وتباع ايضا ، وها هو جزء من رواية محمد صلاح العزب ربما يفيدكم بالالمام بموضوع رواية "سرير الرجل الإيطالي"
****
حين تركت بيتي القديم صرت بلا ظل نهائيًّا، أسير في الشارع متخفيًا، حريصًا على ألا يلحظ أحد أنني أمشي وحدي.
قبل ذلك كان ظلي يلازمني كمرض مزمن، يشاركني حتى لحظات التبول العجلى إلى جوار حائط متهدم.
في أوقات كثيرة يكون لي أكثر من ظل، اثنان، ثلاثة، أربعة، حتى سبعة، ولكي أتأكد من وجود ظلي الحقيقي بينها أطفئ كل الأنوار، فتتجمع الظلال حولي وتحاول قتلي.
فتشت عنه في كل مكان حتى يئست، في النهاية أَرْسَلَ إليَّ تلغرافًا: "لا تبحث عني".
البيت القديم ترك داخل روحي نقوشًا عميقة لها شكل أرضية خشبية، ومقابض لامعة لأبواب بضلفتين، وصوت صرير حاد لنافذة لا تفتح حتى آخرها.
لم يسكنه أحد بعدي، فبدا موحشًا مهجورًا، ليس به سوى ظل ثقيل يبكي كثيرًا، ويتحرك في بطء.
1
"كُلُّ الطُّرُقِ مَثْنَى، إِلاَّ هَذَا الطَّرِيق، ذَهَابٌ فَقَطْ، احْمِلْ حَقَائِبَكَ، وَمَلابِسَكَ الَّتِي لَنْ تَرْتَدِيَهَا مَرَّةً أُخْرَى.
عَلَيْكَ أَنْ تَهْتَمَّ جَيِّدًا، وَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مَنْ سَبَقُوكَ.. هَلَكُوا جَمِيعًا".¨
لن أخاف الرجل الإيطالي.
ليس في شارعي مارة، ولا سكان، ولا مصباح، ولا أصوات آدمية، فقط نباح كلاب سوداء، تظهر وتختفي في الظلام، ألمح أحدها يجرجر أحشاء طائر نافق إلى الحائط ويأكلها، تهاجمه قطعان كبيرة من الكلاب، فيستسلم لها، تستولي على طعامه، وحين تجد أنها لم تشبع تأكله هو الآخر.
أسير وحيدًا بملابسي السوداء، فأشعر أنني واحد منها، أحاول التخفي مرتجفًا من البرد والخوف، أغوص في بركة عميقة من الوحل الذي خلَّفه المطر فيبتل حذائي وسروالي.
ببطء شديد يقترب البيت مني، يلوح في آخر الشارع الطويل قاتمًا بعد أن لوَّثه المطر ليومين كاملين، فبدا حقيقيًّا، منعزلاً ومنبوذًا، أنظر إلى الخلف فأجد كل البيوت البعيدة متحاضنة ومتماسكة، فلا يستطيع الشتاء أكثر من غسل واجهاتها التي تلمع في هذا الليل السمج.
لن يطرق بابي أحد، لكنني لن أخاف الرجل الإيطالي، سأستمتع بغنج زوجته وهو يضاجعها دون أن أهتم بفهم الكلمات الإيطالية التي تنطق بها في لحظة النشوة.
كجبانة قديمة يمضي حارسها الليلي وقته في اغتصاب الأطفال يقترب البيت، وتبدأ السماء في إصدار أصوات رعد عالية، ينبغي أن أسقي الوردة الحمراء الموضوعة في الحمام، وأن أغسل جوربي.
على باب الشقة تواجهني اللوحة المعلقة، نحاسية ولامعة كأنما صنعت لتوِّها، تحمل اسمه ومهنته بالإيطالية، أسفل اللوحة مطرقة على هيئة امرأة عارية، يمسك الطارق جسدها الناعم بيده، فيحتوي نهديها وفخذيها، وتطرق هي الباب بمؤخرتها بصوت عال.
أفتح الباب، يهب عليَّ هواء قوي من الداخل به روائح متداخلة، أميز من بينها رائحة حذاء الرجل الإيطالي، وعطر زوجته، أضع المفتاح في جيبي، وأكتفي بدفع الباب خلفي دون أن أغلقه بالمزلاج العتيق.
على نور الصالة الذي أتركه مضاءً دائمًا، تواجهني اللوحة الكبيرة، بداخلها "مار جرجس" يطعن التنين برمحه في مكان القلب تمامًا، فلا يظهر هذا التنين في أية لوحة تالية.
أتحاشى النظر إلى القديس، أفقد شهيتي للطعام رغم جوعي الشديد، أدور في الشقة بملابسي المبتلة من المطر، ولا أفكر في أن أبدلها، أجلس على أول كرسي يقابلني، وأفاجأ بعد أن أستيقظ أنني نمت.
ـ ..... ـ
البنت الأجمل في شقة المغتربات لها شعر بني وعينان عسليتان، تبدأ يومها بالاستحمام، تجلس أمام المرآة، تصفف شعرها القصير وتتركه مسدلاً، تضع الكريم المرطب على بشرتها، تُلوِّن شفتيها فقط، وتسكب عطرًا كثيرًا، دون أن تستعمل إلا يدًا واحدة.
لها حجرة مستقلة بمفتاح من الداخل، بعيدة عن باب الشقة، بها نافذة صغيرة تطل على المنور الداخلي لا تغلقها ليلا أو نهارًا. في حين تسكن الثلاث الباقيات في غرفة واحدة.
أغلق النور، أتلصص عليها من خلف شيش حجرتي المواجه لشباكها المفتوح، أكشف غرفتها: السرير الصغير، والدولاب الخشبي المتهدم، والتسريحة القديمة بمرآتها المُبقَّعة بالسواد.
تدخل الغرفة مُلتفّة ببشكير أبيض، تنزعه عنها بمجرد أن تغلق الباب، لا يبدو لي جسمها الجميل ناقصًا، تُنهي زينتها بذراع واحدة بمهارة، وتبذل جهدًا في تثبيت أحزمة الذراع الصناعية بمفردها حتى لا تطلب مساعدة منهن.
حين تذهب البنات إلى بيوت أهاليهن في القرى البعيدة، ويتركنها وحدها، تبكي كثيرًا، وتتكلم بصوت عال، تحكي حكايتها، بطريقة مختلفة في كل مرة وبتفاصيل جديدة، تزيد من بكائها عند مواقف معينة، وأحيانا تضحك، تنام دائمًا قبل أن تنتهي، ترمي جسدها الجميل على سريرها كيفما اتفق، كطفلة صغيرة أرهقها لعب يوم كامل، طفلة تمتلك سرًّا أطول من شعرها، وأكبر من حلمها الذي لم يتحقق، لم يطَّلِع عليه سوى جار يتلصص لتزجية الوقت، دون أي نوايا سيئة لكشف هذا السر.
ترتدي بلوزة بكمين طويلين وقفازين، تُسوِّي شعرها القصير، تضع يدها الصناعية في جيب بنطلونها الضيق، تعلق حقيبتها على كتفها السليمة، أسمعها وهي تغلق باب حجرتها بالمفتاح من الخارج، وتنزل.
2
"لاَ أَحَدَ يَذْكُرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي خَاضَ أَوَّلَ مَعْرَكَةٍ نَاجِحَةٍ مَعَ أُنْثَى.
ابْتَكَرَ تَقْبِيلَ المَنَاطِقِ الْحَمِيمَةِ، وَمُدَاعَبَتَهَا بالْلِّسَانِ، واخْتَرَعَ أَوْضَاعًا لِلِّقَاءِ يَزِيدُ عَدَدُهَا عَلَى ثَلاَثِمَائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ وَضْعًا، وَحِينَ انْتَابَهُ الضَّعْفُ ذَاتَ مَرَّةٍ وَأَخْفَقَ، بَتَرَ عُضْوَهُ بِشَفْرَةِ حِلاَقَةٍ، وَمَاتَ". بيت قديم من ثلاثة طوابق في آخر شارع طويل قريب من البحر، لا يقطع صمته سوى نباح كلاب ضالة، تتمشى بالخارج طوال اليوم، ثم تعود ليلا لتقضي حاجتها وتتضاجع.على جانبي الشارع، تتناثر بيوت قليلة لم أرَ أحدًا يدخل أو يخرج منها. ثلاثة طوابق بأسقف عالية ـ مما يجعل ارتفاعه أقرب إلى بناية حديثة من خمسة أو ستة طوابق ـ وليس به سكان سوى في الطابق الأوسط: شقتي، تواجهها شقة المغتربات.
البدايات تتلاشى.. متى سكنتُ في شقة الرجل الإيطالي؟ ومتى أتت المغتربات ليسكنَّ الشقة الأخرى؟ كأنما لحظة الخلق الأولى كانت هنا، في شارع معتم يفصله عن العمران مقهى صغير في أوله، لا يفكر أحد في تجاوزه.
قبل المقهى تكون الحياة طبيعية تمامًا، وبمجرد عبوره ينقطع كل شيء فجأة.
أمام البيت أرض خلاء واسعة، كصحراء صغيرة مزركشةٍ بكل ما نجح الهواء والكلاب في جلبه من فضلات، وسط هذه الصحراء شحاذ عجوز في كوخ خشبي قذر، يدخن طوال الوقت، ويصدر صوتًا مزعجًا حين ينام.
الجالسون على المقهى في أول الشارع لا يدعونني للجلوس، أرغب في أن أسحب كرسيًا وأقعد، أطلب ينسونًا، وألعب الورق منفردًا، وأواسي نفسي حين أخسر آخر ما في جيبي، لكنني لست ثقيلاً إلى هذا الحد حتى أجلس دون دعوة.
ـ ..... ـ
الباب العتيق بلوحته الإيطالية، والمرأة اللعوب التي تحك مؤخرتها للغرباء في مقابل باب شقتهن الذي يفتح في الاتجاه المعاكس، أتلصص منه عند مروري متلكئًا، أرى ربع الصالة، وشريطًا رفيعًا من حجرة داخلية، وبنتًا على الأقل بقميص نوم، أو بنطلون جينز وبلوزة دون أكمام.البنت الأجمل لها حجرة بمفردها تغلقها عليها، وحتى لو كانت مفتوحة، فلابد لمن تريد الدخول من أن تطرق الباب. لجدران البيت لون أصفر كالح، بياض الأبواب كَسَتْه خضرة كابية، السلم واسع ورطب، درابزينه الحديدي يحمل سوادًا قديمًا مشبعًا بالتراب والصدأ.أكره وقع خطواتي فوق رخام السلم الناعم، أصعد على أطراف أصابعي، وأنزل على كعب حذائي محاذرًا من إصدار أي صوت. جرس الكنيسة البعيد يدوي بقوة فيشدني إليه، وحين أمر أسفل برجها الضخم يرعبني مرأى الجرس الهائل كأنه سيهوي فوقي بكل ثقله النحاسي. لم يدق مرة واحدة وأنا بجواره، يقف متصنعًا الهدوء، كأن جرسًا آخر هو الذي أفزع روحي منذ قليل.
ـ ..... ـ
لن أخاف الرجل الإيطالي. سأدفن خوفي داخل روحي، وأخلع ملابسي بطريقة عادية، أروح وأجيء بسروالي الداخلي الصغير كأنه غير موجود. وحين أدخل الحمام لن أغلق الباب خلفي، ولن أحاذر وأنا ألقي بحذائي جهة الباب حيث يقف.أضيء نور الشقة كله، وأغلق باب حجرتي ورائي، أدخِّن حتى يعبق الدخان المكان، فألمح بصعوبة الأشياء المتناثرة: سروال متسخ، زجاجتي خمر خاويتين، أوراق جرائد ملونة ببقايا طعام، أعقاب سجائر، وصورة عارية تبدو فيها الأعضاء المذكرة أوضح. بالطباشير الملون أرسم على الحائط وجهًا لفتاة، بشعر قصير وملامح فاتنة تحمل ألمًا، كوردة وحيدة نبتت بطريق الخطأ وسط عاصفة ترابية.أجلس على الأرض غير مهتم باتساخ ملابسي، أغفو قليلا، ودون أن يزورني أي حلم أستيقظ، أشعر بوحشة تطبق على روحي، ينفذ فيّ نباح عال، أخمن أنه لكلب هزيل عجوز، أعتدل متألمًا من صداع شديد، ولعاب كثيف متجمِّع في حلقي، أحاول طرده فأفشل، يسيل إلى الداخل أكثر، أشعر بقرف شديد، أفكر أن أقذف الكلب بأي شيء حتى يكف، أفكر أن أنبح مثله، عضوي منتصب دون سبب، أجهد نفسي لأتذكر هل حلمت بشيء، فلا أفلح.أقوم بصعوبة، أقف خلف الشيش، ألمح البنت نصف عارية تمارس العادة السرية بيد واحدة، أضع يدي داخل سروالي وأفعل مثلها دون أن أحرك يدي الأخرى.
ـ ..... ـ
سأخصص جزءًا من وقتي يوميًّا للعناية بالوردة الموضوعة في الأصيص داخل الحمام، أسقيها وأزيل عنها الأتربة وأنظف تحتها، أرشها بالعطر حتى تعطي رحيقًا طيبًا، أدهن أوراقها بالكريم المرطب فتصبح ناعمة تمامًا، أُقلِّم أشواكها، وأضع لها طلاء أظافر أحمر.ساعة على الأقل، وأشتري لها إطارًا زجاجيًّا أضعها فيه إذا ذبلت حتى لا تضيع رائحتها. منذ وقت طويل لم أستعمل زجاجة عطري، لم أتعطر قبل ذلك أصلا، لكن كان ضروريًّا أن تكون لي زجاجة عطر، ووردة، وإطار زجاجي، وأصيص، حتى يمكنني أن أمضغ حزني بسرعة دون أن تتكسر أسناني، ودون أن يتشقق لساني ويتساقط قطعة قطعة من قلة الكلام.أرجع من عملي متأخرًا جدًّا، وأستيقظ مبكرًا من أجل البنت، أنتهي من وضع ملابسي على جسدي، وأراقبها وهي تمارس طقوسها الصباحية بنفس الحماس.
حين أسمع صوت تكة غلق بابها من الخارج بالمفتاح أبتعد عن الشيش، وأهرول إلى عين الباب السحرية، أراها فتحت باب شقتها، تقف قليلا كي تتذكر هل نسيت شيئًا أم لا، ثم تنزل.أسير وراءها من بعيد، كأب يراقب ابنته المراهقة حريصًا على ألاَّ تراه، لكن البنت تتمكن من رؤيتي، وتعرف أنني أسير وراءها يوميًّا حتى باب جامعتها.كأب يشك في ابنته التي صارت تسهر كثيرًا، وتكتب خطابات غرامية، وتهتم بزينتها على غير العادة، ويفشل في النهاية أن يراها مع أي ولد، فيرتبك ويفقد القدرة على اتخاذ أي قرار، ويتمنى بشكل حقيقي أن يرى ابنته مع ولد ما، حتى يهدأ، ويفكر في التصرف بشكل مناسب.لم تكن البنت تكلم أي ولد، ولم أجرؤ أنا على التقدم، وصارت تتعامل مع أمر سيري اليومي خلفها كأنه لا شيء، وإن كانت تتعمد اصطناع حِيَلٍ صغيرة حتى توقع بي، فأواجهها وتلتقي عيناها بعينيّ، لا أفهم هل تفعل ذلك حتى أكلمها أم لتردني. لكنني في كل مرة أتصرف كأنني واحد غيري وغير الذي راقبها في المرات السابقة، أواصل طريقي بهدوء، كأنني لا أراها عارية كل ليلة في حضن واحدة من زميلاتها في السكن.
ـ ..... ـ
حين كان سروالي ممزقًا من المؤخرة لم يكن لي أخ أرتدي سرواله، ولا صديق يوافق على إعارتي سروالا يليق بمدرسة مشتركة، يتبادل فيها الأولاد والبنات قبلات مختلسة، كانت لي جدة عجوز بعينين كليلتين، تخيط السروال الكحلي بخيط أبيض، فيبين الخيط وسط الفلقتين واضحًا وقبيحًا، يهدد بالتمزق لدى أي جلوس أو انحناء، فتظهر مؤخرتي مباشرة؛ لأنني لا أملك سروالا داخليًّا.صرت حريصًا على إبعاد مؤخرتي عن العيون، أختار الدكة الأخيرة في الفصل، أخرج آخر واحد، أسير في خطوات جانبية معطيا ظهري للحائط، أسدل قميصي للخارج، أقف في نهاية الطابور مطيلا ذراع حقيبتي حتى تسقط من على ظهري، وتستر عورتي.
ـ ..... ـ
تدخل البنت إلى الجامعة، أظل واقفًا حتى تختفي، حين أتراجع يصطدم بي شخص بقوة، أرفع يدي لأعتذر له فأفاجأ بأنه أعمى، يعتذر هو، ويطلب مني أن أوصله، أظل صامتا ولا أتحرك؛ حتى أبدو غير موجود، لكنه يواصل إلحاحه متأكدًا من وجودي، فأخمن أنه يرى ويمثِّل أنه أعمى ليختبرني، برودة يده التي قبض بها على يدي بقوة تنفذ داخل روحي، أصابعه قاسية وناعمة، أوقن أنني لن أستطيع التخلص منه.لم يتكلم طويلا، وصف لي المكان الذي يريده وصمت، بعد أن أوصلته لم يشكرني، ولم أصدق أنني تحررت من قبضة يده، بعد مسافة التفتُّ خلفي فوجدته واقفًا كما تركته يحدق فيّ، أسرعت خطوي دون أن ألتفت مرة أخرى.أركب الأتوبيس العام دون أن أنظر إلى رقمه، ولا أعرف إلى أين سيذهب، أغافل المحصل والراكب الوحيد، وأخرج قلمي لأرسم على الكرسي جسد امرأة عارية دون وجه، ثم أقوم مسرعًا وأنزل من الباب الأمامي، متوسلا إلى السائق أن يقف قبل أن تأتي المحطة.أنزل على الكورنيش، أعبر الطريق وأقف في مواجهة البحر، تقف امرأة شابة بشعر أشقر وشامة كبيرة فوق شفتها العليا في مواجهتي تمامًا على الشاطئ المقابل الذي لا أراه، أفتح لها أزرار سروالي، فأشعر بيدها الدافئة بالداخل، قبل أن أصل إلى لحظة النهاية أدفع يدها وأغلق الأزرار، أجد جريدة قديمة على الأرض يقلب الهواء صفحاتها، حتى تقف على إعلان يقول إن حشرات المنزل لم تعد مشكلة.أمامي خمس ساعات حتى يحين موعد عملي، أسير دون هدف، أفاجأ بنفسي أمام باب البار الذي أذهب إليه كل مرة، أدخل، أجده هادئًا ونظيفًا كأنما لم تمر به ليلة صاخبة، أختار الركن الأبعد وأجلس، يبتسم النادل لي ثم يغيب طويلا، يضع أمامي كأسًا مقلوبًا وزجاجة، ثم ينساني نهائيًّا.
كل مرة أقول لنفسي إنه يعرفني، دومًا يمنحني ابتسامة طيبة بنفس ود المرة الأولى، أريد أن أسأله إذا كان يعرفني فعلا أم لا، وأقول له إنني نفس الشخص الذي يجلس هنا كثيرًا.لكنه بعد أن يضع لي الزجاجة ملفوفة بمنديل ورقي أبيض والكأس اللامع لا ينظر حتى يرى إذا ما كنت سأطلب شيئًا آخر أم لا. يقف بعيدًا في بقعة رديئة الإضاءة يدخن ويعقد يده على صدره، وحين يأتي ليأخذ الحساب يبدو متعجلا وخجلا من البقشيش الزهيد الذي أعطيه له.يمنحني ظهره مسرعًا، كأنه يحاسبني لأول مرة، وكأنما يأخذ مني بقشيشًا زهيدًا للمرة الأولى.
ـ ..... ـ
أنتهي من عملي وأخرج، المطر ينزل بشدة، وتأثير الخمر ما زال يرفع روحي، فأسير غير مكترث بالقطرات الثقيلة المتهاوية على رأسي.الرجل الإيطالي ربما يخرج لي من خلف أي حائط، سيحاول ضربي بمُدية حادة حتى لا أعود إلى البيت.في طريقي أمر بالجبانة القديمة، أسمع الموتى يختلسون حديثًا مبتورًا، لابد أنهم يحبون المطر، يحلم كل منهم أن ينبت له إنسان جديد، حين يشعرون بوقع خطواتي يصمتون تمامًا كأنهم موتى حقيقيون.أختبئ لهم خلف السدرة الكبيرة لأستريح من الماء الذي يبلل ملابسي، فيواصلون حديثهم، أجد أحدًا منهم لا يسمع الآخر، هل أخرج لهم ليعلموا أن خديعتهم قد فضحت؟ لكنني أخاف من الحارس الضخم الذي حاول أن يغتصبني وسط المقابر وأنا صغير، فأنصرف.في أول شارعي عند البقعة الفاصلة بين المنطقتين حفل زفاف، عروسان متشابهان كأنهما شخص واحد من نسختين: ذكر وأنثى، في أثناء المضاجعة لن يشعرا أبدًا بالمتعة الكاملة، سيشعر كل منهما أنه فقط يمارس العادة السرية أمام مرآة.

أتفرج قليلا على الراقصة التي بدت بائسة وحزينة، كأن وراءها قصة تصلح لفيلم قديم في بداية ظهور الألوان، حيث الممثلون مرسومون بالألوان الخشب، حركاتهم آلية جدًّا، حتى القرب الجسدي رسمي وغير مثير.الأصباغ على وجهها جعلتها أقرب إلى خادمة ريفية عبثت بزينة سيدتها خلسة دون أن تضيء النور، جسمها بدين وممتلئ بكتل الشحم، أَمَلُّ من الوقوف فأمشي، أخرج قطعة طباشير ملونة من جيبي، وأكتب على قماش السرادق من الخارج بالعربية والإنجليزية:
النهاية

The End

فيظلم الفرح تمامًا، وأسرع قبل أن يلحظني أحد.

بمعرض الكتاب "سرير الرجل الايطالي" تصدر خلال أيام

عن دار ميريت للنشر بالقاهرة

كاتب مصري، القاهرة

mohamedal3zab@gmail.com


4 comments:

maii omar said...

(كاتب مشاكس مشتبك وجريء)
ده وصف عجبني جدا..كنت بادور على وصف في دماغي للعزب بعد قراءتي لبعض أعماله..مالقيتش حاجة تعبر كويس إلا كلماتك الموجزة دي
أنا عجبتني أوي للعزب(سرداب طويل يجبرك على الإنحناء)وباحييكي يا أستاذة على كتاباتك وبابوس نهنوهه..ربنا يخليهالك
صباحك زي الفل
:)

Anonymous said...

يبدو عليه فعلا رجل مشاكس
وعلى فكرة انا مقدرتش اواصل قراية الرواية كلها عندك استاذة سهى
لكن هو جميل على قد ما بعرف
وانا هدخل على مدونته وهاشووف بقى
وعجبنى كلام maii omar
هو فعلا مشاكس حبتين وكمان منعوا روايته من النشر ف الاول
وبنتك عجبانى اوى اسمها نهنوه صح
وعلى فكرة انا عرفت انك كنت زوجة اديب راحل اسمه محمد حسين بكر الله يرحمه
وقريت عنه شوية حاجات فى المدونات الاخرى لما عملت عن اسمك بحث فى جوجل
الله يرحمه

وشكرا لكلامك عنى فى الموضوع اللى فات

كابتن ميدو

vetrinary said...

احيانا اشعر انى فى حاجه لفنجان من المتعه وكوبا من الاسترخاء
فاقرا
لكننى فى كل مرة كنت لا استسيغ شرابهم
كان لا يروق لى فى معظم الاحيان
لكن العزب
امتعنى فعلا
شكرا لكى سيدتى تنويهك عن الجيد محمود العزب

qwert anime said...

من افضل الرويات التى تم نشرها فى الدستور هى ورواية تغريدة البجعة لمكاوى سعيد و قد قمت بشراء الرويتان و هم حقا يستحقوا القراءة