نونو فى اول يوم مدرسة

Monday, January 18, 2016

بيتى فى جريدتى ، جريدتى فى بيتى

هناك وجوه عندما تراها صباحا ، تساهم فى أحد أمرين ، اما ان يكون "نهارك نادى بأذن الله " أو " لامؤاخذة مطين انشالله " ، اما أنا فلا أقابل النوع الثانى ابدا ، دائما ما يكون بداية نهارى بوجوه مشرقة وجميلة وابتسامتها لا تفارقها ، فى المكان الذى أحبه اكثر من اى مكان فى العالم ، المكان الذى دخلته صغيرة وكبرت فيه وكبر حلمى معه وفيه وله ، بيتى الأول ، نعم ، فأن الأمان الحقيقى لأى انسان طبيعى هو عمله ، وهكذا احساسى بعملى ومكانه ، المكان الوحيد الذى أشعر فيه بالأمان ، ذات مرة حدثت أبى ، بأننى أحب عملى أكثر مما أحب بيتى ، ولو استطعت وضع سرير ودولاب فيه لما ترددت ، فنظر لى نظرة لوم ودهشة ، وقال لى ، "عيب كدا ، ميصحش ، انتى لكى بيت " ، نعم لى بيت واثنان وثلاثة وأربعة ، وبيوت كثيرة ، لكن المكان الوحيد الذى أشعر فيه بالأمان والملكية فى نفس الوقت هو "جريدة الجمهورية " سيتعجب البعض من هذا الشعور ، وسيتفهمه البعض الآخر ، أنا كنت أتى لهذا المكان مع أبى منذ كنت فى عمر أبنتى ، وربما أتيت وأنا اصغر ولكنى لا أذكر .
أحب رائحة ورق الجرائد والدشت ، واذكر شكل لفات الورق الكبير على الرولات الكبيرة فى المطبعة القديمة.
أذكر ذلك الرجل العجوز الذى كان يحمل على يديه صينية كبيرة جدا عليها كل أنواع المشروبات لصحفيى المساء الذى كان أبى وقتذاك رئيس القسم الفنى بها ، وكيف ان هذا الرجل العجوز يعرف طلب كل واحد فيها بلا اى اختلاط بين الأكواب المتشابهة ، أذكر شكل دواليب حفظ الملفات ماركة "أيديال" والكتب والمذكرات والموضوعات ، و دواليب خشب بنى محروق بأبواب زجاجية ، قيمة جدا ، هى الأن تحف فنية .
أذكر الشبابيك الكبيرة للمبنى والتى كانت تطل على الشارع الجانبى لدار الجمهورية ، كبرت وانا احضر كل حفلات المؤسسة مع أبى ، حفظت شوارع وسط البلد من تلك الايام التى كان يصحبنى فيها الى مقهى النافورة(الاندلسية الأن) فى التوفيقية ، والذى أصبح اليوم مقهاى المفضل ايضا كلما سمحت لى الفرصة للذهاب إلى هناك ، حفظت أماكن السينما والمسارح والمطاعم والملابس من اصطحاب أبى لى من مقر الجريدة الى هذه الاماكن .
عملى هو بيتى ، ورغم ان مقر بيت العائلة الكبيرة لأبى وأمى فى عابدين وباب الخلق ، والأهر فى الهرم ، ورغم تعلق روحى نسبيا بتلك الاماكن ، إلا أن أرتباطى بعملى ومقره أكبر بكثير من أى ارتباط روحى مررت به ، لا آمل من الجلوس على مكتبى ، أو التحرك فى ردهاته الطويلة ، أستمتع بالسلام على الزملاء الذى أصبح بعضهم أصدقاء عمر الأن ، أستمتع بالحوار مع زملائى العمال وموظفى الامن والبوفيه ، واتضرر إذا ما نادانى أحدهم بلقب أستاذة ، أو يا فندم ، أو حضرتك ، لاننى ببساطة أشعر بأنهم أهل بيتى الذى انتمى لهم ، فكيف لأهل بيتك أن ينادوك بتفخيم وتعظيم ، أو فوقية .
بيتى دمت لى يا بيتى "جريدتى الجميلة " التى تمر الأن بأزمة صحية عابرة ، ستقوم منها بأذن الله على خير ، وأثق أن الجمهورية سترد يوما لأهلها ، وستصبح لسان حال شعبها ، وهذا الغرض الذى من أجله أخذها جمال عبد الناصر وانور السادات ، لتتحول من جريدة أجنبية بملكية اجنبية ، لجريدة قومية تخدم الشعب ، مثلها مثل اى قطاع اخر فى الدولة ، وكلى ثقة انها ستعود لسابق عهدها يوما ، ولكن هى مسألة وقت ، حتى يأتى لها من يعرف قيمتها ، ويحيى فيها روحها القديمة ، ويبث فى عروقها دما يقيم جسدها كما كان قويا عفيا بلا اى ضعف امام حاكم ، او هوان امام سلطة ، بل قوة تستمدها من كل ضعيف ومحتاج له حق وعليها هى ان تكون صوتا للحق .
بيتى الحبيب ، أحبك بكل ما فيك ، بكل عيوبك وميزاتك ، بكل تغيراتك التى تطرأ عليك ، واتحملك لانك فى بداية الامر ونهايته بيتى ، شدة وتزول يا حبيبى شدة وتزول ، واليكم بعض الجنود المجهولة الذين يحمون هذا البيت ويبثون فيه روح المحبة والتفاؤل بلا انتظار اى مقابل اللهم الا التقدير المعنوى وان جه المادى مفيش اشكال برضه ولا ايه ؟