نونو فى اول يوم مدرسة

Tuesday, September 20, 2016

الفصل السابع من روايتى "فاطمة كفر الشيخ - عابدين ) نشرت عام 2009

                    
                 
                     قبل نهاية العشر سنين السابعة

-١-
شهدت بعينيَّ تغيرات الناس واختلاف أفكارها وقناعاتها، عرفت لماذا كانت تؤمن فاطمة بحكمة "مسألة وقت"، ولم تكن تشقى لشيء في هذا الكون إلا لغضبنا نحن الأولاد الذين تهنا في طرقنا منها، ولم
نحاول الجلوس في حجرها الواسع أطول وقت ممكن، هي الوحيدة التي عرفت كيف سيكون حالي بعد الثلاثين، كانت قد نبأتني به قبل أن تجلس بيننا تلملم أيامها وهي تقول:
"لا أريد حزنًا هنا، انزعوا صورة ذلك الطفل الباكي اللعين، يكفيني احتماله لسنين.. انزعوها واضحكوا"، ضحكت فاطمة وهي تحاول إفساد جروحها بيدها لتطمئننا إنها لا تعاني من أي شيء سوى أنها تريد العودة إلى قلين، أريد أن أعود إلى قلين".
-٢-
بدأت السنوات الثلاثون- أو العشرة الثالثة على وجه الدقة كي تكونوا
معي في الأحداث- بعد دخول "إبراهيم وفاطمة" لبداية السبعينيات، قررت هي بعد إجراء أربعة عمليات جراحية بالبطن إثر ذلك الفتق الذي جاءها وهي تلدني، حيث تسببتُ في قطع عرق مهم في بطنها إذا كنتم تذكرون، ذلك ما حدث في الفصل الأول عندما كان أصدقاء البطن يودعونني، فهذا العرق أصبح علة العمر كله لديها، وكانت كل مرة تتجه إلى حجرة العمليات وهي بين الحياة والموت نظرًا لإصرارها طوال الوقت على أنها غير مريضة، وأن الموضوع أبسط من ذلك، وفي آخر الأمر بعدما تحققت أمنيتها بأن تراني في بيتي وفي حضني ابنتي تقرر أن تذهب في أمان الله وأمنه، بعد أن اطمأنت على إبراهيم الذي غيّر شرايين قلبه، وكانت تدعو الله من قلبها وهو في حجرة العمليات أن يجعل يومها قبل يومه، وقد استجاب الله لها لسبب لا نعلمه حتى الآن، ورغم حزني الشديد عليها إلا أني لن أغفر لها أبدًا، فقد تحققت دعوتها بأسرع من البرق، وقد كنا ما زلنا في أمسِّ الحاجة إليها، داهمها كابوس مزعج قوي وكأنه قرر أن يقضي عليها فورًا، وكان هذا الكابوس مجرد سبب لذهابها قبل "إبراهيم" كما تمنت، ولنظل نحن الخمسة "إبراهيم وأنا وأخواتي" نعيش بعقدة ذنب أننا لم نشبع منها أبدًا رغم أنها الوحيدة التي كانت تظللنا طوال الوقت بلا ملل وبكل الخوف علينا، كانت تخاف علينا حتى البكاء.
وفى اخر ليلة لها ، جمعتنا في صالة البيت الجديد الذي عاشت فيه لعامين فقط، نظرت باتجاه صورة الطفل الباكي الذي طالما أحبت صورته وكانت ترفض بشدة أن تحركه من مكانه في صدارة الصالة، وقالت انزعوا هذا الولد الذي يبكي من هنا وتعالوا جميعًا وأنتم تضحكون، هيا التفّوا حولي، وتنظر للسماء وكأنها تحدث أحدًا تراه "صورة بقى يا رب.. لا إله إلا الله، زغردي يا بنت" فأزغرد وهي تبتسم رغمًا عن ذلك الجرح الكبير الذي قسم شفتيها السفليتين حتى وصل لما تحت الصدر، ذلك الجرح الذي لم يفيد في استئصال سرطان الحزن الذي عمّر قلبها منذ خرجت من قلين، لقد كان مستوطنًا حتى فاض في آخر الأمر من تكرار الأحزان، رأيت فاطمة وهي تحفر تراب أمها وأبيها وتزيحه عنهما لتنام بينهما، اختارت سرير مي ونامت عليه..
لا تبتئسوا هكذا، ذهبت فاطمة وقد حققت بعض الأماني، كأن ترى لي طفلًا، لم آخذ الوقت الكافي للحزن عليها، بمجرد ذهابها رقد الرجل الذي تزوجته كما سبق وعرفتم أيضًا وتجمُّعت لديه كل أهوال الحياة المُرة التي عاشها أيضًا، وفتكت بقلبه حتى أصابه التلف ومكث عامًا ينتظر معجزة الشفاء حتى شفاه الله للأبد، عندما أتمت ابنته عامها الأول وهي لا تعرف أن هناك رجلاً مهمًا في حياتها، ولم تعرف حتى كتابة هذه السطور إلا أنه "يعيش في السماء مع تيتة".
-٣-
هكذا أخذتني عشر سنوات لتسلمني لعشر سنوات أخرى حيث كنت
أرى العالم من خلف حائط زجاجي رقيق، أخشى عليه من يدي الضعيفة تأثرًا من خوف فاطمة الشديد على يدي، وهكذا أصبحت كالفراشات النادرة في حدائق أسطورية لم يلدها ماركيز، كزغرودة لم تطلقها روحي التائهة في الكون يوم زفاف وهمي، كنت جنينًا موصولاً بحبله السري بفاطمة حتى وصلت لعامي الثلاثين، بدمعة ساخنة على خدود الحياة المؤلمة لكل من أعرف، أصبحت شقية كأولاد الشوارع الملاعين، أزهو بتدخين الشيشة على رصيف العمر

المسروق، أفخر بقرائتي للنجوم بلا خوف من صانعها، كان لدي الوقت كي أطير وأطير في السماء دون أن ينفك ذلك الغراء، انفك مني قبل أعوام قليلة عشتها مسكونة بأيامي المنسية في أبراج الحب، تلك التي تنقلت فيها أيامي حتى كدت أنسى أنني بشر، بل مخلوق طائر حزين!