نونو فى اول يوم مدرسة

Friday, April 26, 2013

صلاة واحدة (القصة الفائزة بمسابقة أدب العشق فى 2010)


 -1-

بعد صلاة الفجر بساعة تصحو البنت الصغيرة تفرك في عينيها ، تفتحهما عن أخرهما وهي تطلع فوق السطح لتراقب أمها وهي تنثرالطعام لطيورها وتكلمهم بلغتهم الخاصة " لوقلق..لقلقلق" تنظر البنت للنهارالظاهرلتوه محتضنا بقايا ليلة صافية وللمعة النجوم المنسحبة ببطء من حضن السحابات تاركة للنهار فرصته، تسأل أمها :

- " هاروح الكُتاب أمتا "

-         لسة بدري يا نواره .. أنزلي نامي.. أنت حفظت

-         ايوا .. طـب أنا هاجعــد اسّمع شويا لغاية المعـاد

-         يا بتي دا لسه بعد صلاة الظهر ، نامي شويا وجومي العبي مع العيال

 

تنزل البنت تجلس علي باب الدار وفي يدها لوح الإردواز التي تكتب عليه أسم "شادي " بالطباشير وتمسح ما تكتب ، وتلعب مع نفسها لعبة " الكتاب ":

-    أه يا مولانا أنا حافظة أهوه ، فتقرأ سورة " آل عمران " حتى أخرها ... وهي مغمضة العين مقلدة الشيخ بتمايلها يمينا ويسارا  بسرعة ...

تفاجأ بـ " شادي" الفتي الصغير جارها ، الوحيد الذي تلعب معه دون الأولاد الآخرين ، وهو يمر عليها كل يوم ليذهب خلسة معها إلى الكُتاب ، وكل مرة يجلسان بجوار بعضهما ولكن مولانا يزعق فيهما " أنت يا واد أنت والبت جليلة الأدب دي ، جوم أجعد جمب الصبيان يا ابن النصارى " شادي "شقي كالفتيان الكبار تمام ، لا يكترث لسبة مولانا الغريبة ولا يفهمها من الأصل ، فهو في عالم أخر ، ينظر " لنواره"  بلمعة عينه الخضراء ، بعد ان طلع لسانه للشيخ في الخفاء من خلف أحد الزملاء  ،يبدءوا جميعهم في القراءة خلف مولانا ، ويسّمعوا ما حفظوا ؟                    

 -  2  - 

الشيخ يرحب بشادي وسط الأطفال بلا تعنت ، غير أهب بما يعتقده البعض من ترحابه ، بل ويعامله معاملة اقرانه في الكتاب .

ويبدأ الشيخ بواحد واحد ، وكأنه علي ثأر معهم وينادي علي اولهم أنت ياواد يا " ابن حزقيال حفضت ولا ابوك خدك معاه علي الجهوة يشربك السم الهاري اللي بيطفحه "...

حفضت يا مولانا ... سمّع " شادي "  كل اللي حفظة وبالتشكيل تماما وبعده سّمع أحمد وهو يرتعش من عصا الشيخ "ويتلجلج" ... يضربه مولانا علي مؤخرته بعصاه وهو يقول له " مش مكسوف يابن الكلب ، المسيحي اللي مش مطلوب منه يحفض حافض وانت لا "...

-         يا لا يا نواره يا بنت الغالين سمعي

-         سّمعت "نواره" بهدوء وهي ناظرة في الارض وتهتز في القراءة ...

-    جدعة يا بت يانواره، بس ابعدي عن الواد " النصراني ده " ... تنتهي الحصة ، ويجري الاولاد كل في اتجاهه ، اما شادي ونواره فيتجهون لبعضهم ببراءة وبلا اعتبار لكلمة الشيخ الغريبة !

 

شادي يقلد أباه في كل شيء ، فهو يذهب " لجوزة" أبيه وهو غائب ويختلس منها أنفاس واهمة لأن الفحم مطفي ويقف وسط عيال القرية يزعق فيهم كما يزعق أبوه فيهم ، ويعطي لكل منهم دور ، وكلما فعل فعلة نكراء ، يجري لنواره ليخبرها بما فعل ، ويجلس مختبئا في انتظار العقاب وهي بدورها ، تدفعه للخوف اكثر ، فمــولانـــا يقول " اللي بيعمل حاجة غلط بيخش النار ويتقلب قرد "... وكانا الاثنان يصدقان كلام مولانا جدا " فيختبئ حتي يمل و" نواره " تساعد في إخفائه فالدار بجانب الدار وكل الأماكن المتاح الاختباء بها هي السطح أو الغيط أو الزريبة ...

                             -2-

     بعد صلاة العشاء وبعد دخول أبو نواره من أمام الدار وذهاب " أبو ماهر" لداره ... سحب الجوزه في يده وجلس في قاعة الدار ... جاءت نواره صامتة وقفت أمام أبوها وهو يلاغيها ،

- آيه يا بت يا نواره عاملة آيه في الكُتاب يا شقية ...

-         يعني آيه نصراني يا آبا

-         أنت بتسألي ليه يا بت علي الحاجات دي

-         اصل مولانا بيجول للولا شادي "يا ابن النصارى "

-    أما مولانا دا راجل خسيس بصحيح  ، النصارى ، يعني المسيحين وهما ليهم نبى واحنا لينا نبي ، ومفيش بينا وبينهم أي فرج  في أي حاجة ، شادي واد طيب زي ابوه ، اوعاك يا بت تجولي كدا للأي حد من العيال النصارى  ... وسيبك من ولاد الكلب اللي بيجولوا أن دي شتيمة ولا حرام تكلميهم ، وردي عليهم وجليلهم أبويا جالي كدا ...إحنا كدا زي ما نكون ولاد عم ...!

-    حاضر يا ابا

تجري نواره ناحية بيت "أم ماهر " ، تنده عليها "

-         آما أم ماهر ... فين شادي

-         خوشي يا نواره تعالي كلي معانا وابجي جومي أنت وشادي العبوا

-    ازي أمك وأبوك وأخواتك ، جولي لامك أنى زعلانة منها عشان ماجتش تشوف "عزت  " لما وقع الأسبوع اللي عدي .

-         حاضر يا آما

-    شادي يقوم مسرعا من على الطبلية وهو يقول لها  " أنا أكلت يا آما " ويأخذ " نواره " من يدها ويجري بها علي السطح ...

-    مش أنا سألت أبويا ألنهارده يعني آيه نصراني وجال يعني مسيحيي، يعني مش حاجة عيب عشان مولانا يشتمك بيها وجال أن مولانا دا جاهل ما بيفهمش حاجة .

-         أنا مش زعلان أن مولانا بيجول كدا مش مهم ... أنا بازعل من العيال اللي بيجلدوا مولانا .

 -    تطبطب عليه ... متزعلش يا شادي أنا عمري ما هاجولك كدا أبدا وبعدين دي عيال هبل ، ما الواد العبيط ابن عم رشدي بيجولك كدا وهو مسيحي زيك ؟

-    وبعدين أبويا جالي ان احنا كدا ولاد عم ، باجولك ايه ، احنا هانعمل فيهم مجلب ونجلوهم ان احنا الاتنين جرايب ومش جايلين لحد ، ونضحك علي العيال ، تعالي يا لا دلوجتي .
 

بالفعل ذهبا نواره وشادي للاولاد في الشارع  امام دار كل منهم ، وعندما رأهم  الاولاد والبنات ، قالوا لها :

-         مش مولانا جالك ابعد ي عن الواد دا

ردت عليهم بميوعة وكبرياء طفولى وهي تتمايل وكأنها تكيدهم

-         أصل مولانا ميعرفش ان احنا جرايب

-         جرايب ازاي يا نواره دا دينه غير دينك

-    والله العظيم احنا جرايب وكمان يبجي ابن عمي ، حتي هاتشفوا ابوي جاعد كل يوم مع ابوه جدام الدار عندنا وكمان دارنا جمب دارهم عشان جدي جالهم متبعدوش عن بعضيكم ومتخلوش حد غريب يدخل بنتكم .

-         انت بتتكلمي ازاي يا نواره... انت بتحلفي بالله ، حرام ربنا هايودكي النار ، احنا غيرهم ، ازاي عمك يبجي مسيحي ..

-    انتم مش مصدجين طب راجبوا الدار دي والدار دي وانتوا تشوفوا ان احنا جرايب جاوي كمان ، واخذت شادي في يدها ومشيت ...يلا يا شادى زمانتهم في الدار عايزينا ... وهي تنظر للأولاد بفخر بنصف عين وهو رافع راسه وهو يقول هأ...هأو..


   -3-

الأولاد الصغار في القرية بدأوا يسألوا أهاليهم عن حقيقة هذه الرواية المزعومة التي روجتها " نواره " والأهالي بالطبع يكذبون الأولاد وما سمعوه ، لكن الأولاد اقنعوا أنفسهم وصدقوا ، وبعض الكبار اعتقدوا في حقيقة الشائعة ، بل واخذوا يبنون في عقلهم روايات عن كيف تحول أحد الاخين لمسلم والاخر مسيحى ؟!

كل هذا واهل الولد والبنت لا يشعران بسريان هذه الشائعة الغريبة ، ولا يتعجبون لما يبدر من الناس ، فان رأوا ابو نواره وحده يسألونه عن " أبو ماهر " وأن رأوا "أبو ماهر" وحده سألوه عن " أبو نواره " ولم يعد يدهشهم ان يروا احدهم متجه الي دار عبادة الاخر سواء الكنيسة او الجامع ، وأصبح" شادي" و"نواره " اولاد عم بشهادة كل الناس ومولانا اصبــح يــنادي الاثنـين

 "انتم يا ولآد الكفرة " فتصديقه للرواية الشائعة أصابه بصدمة غريبة ، فما هذه العائلة الغريبة !

وهكذا يذهب شادي مع نواره وأمها الي الجامع ويقف خلفهم يصلي معهم وتذهب نواره مع ام شادي الي الكنيسة وتصلي معهم ... لم يشعر أي منهم بغرابة فيما يحدث ...ولا حتي الأهالي اكترثوا لما يفعل الأطفال الأشقياء في أطفال القرية ومع أنفسهم ...؟!

 لم يقلق الأهل حتى الان من لعب الولد مع البنت فوق السطح والدارين مختلطين تماما ببعضهم ، والطفلين يكبرا مع الوقت ، بدأ يغار " شادي " علي " نواره " من الأولاد فيأخذها وينزويا كثيرا في الغيطان وبجوار الترعة ليلا ، يراقبان القمروهو يظهر ويأخذ كل منهــم في تخيل شكل للقمر ولمن ينظر ، وهل هو اليوم مبتسم ام بائس ويتخيلون الحكايات التي تتسبب في فرحه او عبوسه ، وغالبا ما تكون الحكايات عاطفية فربما هو حزين اليوم لأن شادية بنت الحاج ابراهيم اتجوزت غير سعيد اللي كان بيحبها وهي بتعيط دلوقتي في سريرها الجديد ، والقمر شايف سعيد وهو ماشي في الغيط لوحده ... أو فرحان لأن احنا مع بعض دائما وبيفرح بينا .

ذات مرة فوق السطح حاول شادي ان يقلد احد مشاهد فيلم عربي قديم ، فاقترب من نواره وقبلها من فمها وهما يرتعشان ، ثم احتضنها بقوة ،وقال لها الحوار الذي حفظه خصيصا لها ،

- حبيبتي انا مش هاقدر اعيش من غيرك ابدا ... والقدر زي ماجمع بينا عمره ما ها يفرقنا ابدا

صدقته بالطبع وبدورها هي الاخري عاشت دور البطلة ، وقالت له

-         شادي ... المستحيل كلمة مش بتاعتنا .. أحنا نهرب بعيد عن كل الناس ونعمل لنفسنا دنيا لوحدنا مفيهاش مستحيل.

-         ياحبيبتي !

-    يا حبيبي ! كان الصدق هو اساس المشهد بداية من القبلة وحتي حضن كلمة حبيبي ....صدق الاولاد الملاعين مشاعرهم الجديدة                                             

                                                -4-

-  " شادي"  14 سنة ونواره 13 سنة ...

نواره جسمها كبر فجأة وشادي مش فاهم ليه ...

بدأ الأهل بالتشديد عليها ومسموح لها بالذهاب للمدرسة فقط بالمريلة الطويلة والطرقة التى تغطى شعرها ، ولم تعد تري شادي كسابق عهدهم ، فكانت الفرصة الوحيدة هي أن يجلس بجوارها في الفصل ، وفي حصة الدين يخرج المسيحيين من الفصل ،وكأنه سيتم حدث غريب ، كان كل ما يحدث للمسلمين أن يقرأ عليهم مدرس الدين سورة بمنتهى السطحية ويترك الحصة بلا رابط وكان الأطفال يعتبروا هذه الحصة "فسحة " أما في الدرس المسيحي ، فكان المدرس يلقي الدرس بهدوء يقترب الي النوم ، والأطفال في " تناحة " غريبة ... يعود المسيحيين للفصل وكأن

شيئا لم يكن ، ولكن " شادي " ونواره" في لهفة واشتياق و زحمة الفصل تساهم في التصاق أجسادهم في أحضان غير متعمدة .

 ينتهي اليوم الدراسي ويعودا للدار سويا ، تدخل هي ولا تخرج إلا لأداء مهام توكلها لها أمها، فيحاول شادي أن يتحجج بأي سبب لرؤيتها ...

استطاعا أن يصنعا لهما معادا ثابتا كل يوم بعد المغرب في برج الحمام فوق أي السطحين .

هما الأن  في المرحلة الثانوية ، لم ينشغل أحدهم بأي شيء أو أخر إلا ببعضهم ...

ورغم اكتشاف كل منهم لحقيقة الأمر وانهم غير قريبين الصلة ، إلا انهم استمروا في إحساسهم وفي طقوسهم المتبادلة كما ان أهاليهم دائما ما كانوا يقولون لبعض وهم يشاهدوهم يلعبون " والله لولا الدين لكنا جوزنا العيال دول لبعضهم  العيال لايفين علي بعض زي الطير ياخوي "..فكان الوليفين ينظران لبعضهم نظرة عشق ابدي بقرار حاسم بالزواج ؟!

انهي "شادي " دراسته الثانوية وسينتقل لمصر ليبدأ دراسته الجامعية ، لكن قبل ان يسافر كان لابد ان يضع حدا لعلاقته بنواره ... فوقف أمام أبيه يسأله ، أن كان باستطاعته ان يزوجه أياها... نظر له أبوه نظرة حادة وبصوت يملؤه الغضب ...

-    انت عبيط يا بني والله بتستعبط .. ايه اللي انت بتطلبه مني دا ... انت مش عارف ان هما مسلمين واحنا مسيحين ... اكبر يا بني وروح جامعتك وانسي لعب العيال دا ... وبكرا هاتعرف بنات كثير احلي من نوارة في مصر ... وهاتنساها خالص ... يالا يا شادي يا بني ، لم هدومك وحضر نفسك وعاكس لي بنات معاك فى مصر .

-         بيأس ...حاضر يا أبا

يسافر وهو حزين ، تبدأ معه أيام جديدة وأفكار وأحلام وأشخاص جديدة ، وكلما تعرف علي أي بنت اخبرها عن بنت عمه نواره المسلمة ، وانه يحبها وسيتزوجها ، اشتهر الفتي بين الجامعات انه الولد المسيحي اللي بيحب نواره وهي بتحبه وانه علي اقتناع بأنهم أولاد عم .

                                                -  5    -

جاء الدور علي نواره في دراسة الجامعة ، فقد اجتهدت لتدخل نفس كلية شادي ...أخيرا ستكون حبيبته معه ... ستعيش نواره مع أقاربها في السيدة زينب ، وهو يعيش في المدينة الجامعية المهم بعد جدال ونقاش حاد بين نواره وأهلها في حضور جيرانهم "أبو ماهر وأم ماهر " والدي " شادي " ...قاموا بتشجيعهم بكلام من نوعية " سيبوا البت تشوف مستجبلها واهو  شادي معاها ويحميها في مصر، والعيال متربيه مع بعض وهايخاف عليها زي اخته "...

-    قلب نواره طار من الفرح ... هاتشوف حبيبها ... بس ازاي .. الهدوم مش زي بتاعة بنات مصر علي الموضة ... دا زمانه أتعلج بأي واحدة ... اهدي يا عبيطة دا حليوة والبنات تهواه علي طول .. يا تري هو فاكرنى ؟!

" نواره سمارها علي رأي المثل قمحي وشعرها اسود طويل ، فرعونة أصيلة في كل شيء طباع وشكل "

-    علي بركة الله ، هانكلم " شادي " في التلفون عشان أيخلى باله منيها " لحسن دي بلد كبيرة ويتخاف علي الراجل فيها  ، ما بالك البت ".

                                           - 6  -

وصلت نواره ... استقبلها شادي ... أوصلها لمنزل اقاربها في السيدة زينب دون كلمة واحدة  سوي نظرة اشتياق طويلة ، ومنذ هذه اللحظة لم يتركا بعضهما أبدا إلا علي النوم ... وتأكدت كل الجامعة أن نواره وشادي أولاد عم ومن يعرف أن نواره مسلمة يربط بها شادي علي انه مسلم ومن يعرف أن شادي مسيحي يربط  به نواره علي إنها مسيحية ...  فهم يذهبان سويا إلى كل مكان سواء يخصه أم يخصها ... وكعادتـها يوم الجمعة كما كانت في قريتها وهو معها أيضا وهي تذهب للصلاة  ، يقف بانتظارها علي باب الجامع ،وهو يسمع أخر حديث الشيخ الذي يصلي بهم يختتمه بأية من سورة الأنفال :

" وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم

وبعدها أقام الصلاة .

خرجت من الجامع بعد الصلاة بسبحتها البيضاء العاجية ، يلهيها التسبيح والتكبير والتأمل ، يسيرا من جامع عمرو في طريقهما إلى مترو الأنفاق حيث يمرا بكنيسة ماري جرجس ، وتقوم بدورها بأنتظار "شادي" تتأمل مبنى الكنيسة المذهل ، وتدخل أحيانا معه تزور الكنيسة لتضيء الشموع أمام صورة المسيح و تتمني أمنية تكتبها بورقة ، تزجها في صندوق الأماني لحبيبها شادي ...

لكن اليوم عيد والترانيم تبعث برعشة روحانية ، كانت لا تفهم معاني الترانيم ، فشعر شادي بها وأمام صورة ماري جرجس وعلي ضوء الشموع الكثيرة المزروعة في المكان ، نظر لعينها كأنه مسحور و يخبرها انه لا يعرف ماذا يفعل في قلبه المختنق بحبها ، انظري ماذا تطلب منهم ، ينتبهن للترنيمة بأذنهم فقط  ، وبدأ يرددا نشيد الإنشاد الذي نزل لسليمان بصوت هامس بهالة الضوء النورانية التي كونها ضوء الشموع حوله وجهيهما

هي : بالله يا بنات أورشليم أن وجدتن حبيبي فأخبرنه أني مريضة حبه

هو : ما حبيبك من حبيب أيتها الجميلة بين النساء

هى : حبيبي لي وأنا لحبيبي

هو : شفتك كسلكة قرمز ... عيناك حمامتان تغتسلان ماء مصفي ... ثدييك كشخفتي ظبية ترعيان

هي : بالله يا بنات أورشليم أن وجدتن حبيبي فأخبرنه أنى مريضة حبه .

 علما أن راهبة ستتحول لأم اليوم  ، وقد سمعا همسا عن أن هذه الراهبة التي سترتدي الزي الأسود ، كانت تعشق رجل من غير دينها ، وعاشت معه حكاية جميلة تحدث عنها كل الناس وكانت حكايتهم دائما خير سمير للجلسات العامة ، تخلت عن كل شيء لأجل خاطره ، لكنه جن ، فكلما قرر أن يتزوجها رغم سهولة هذا ، ورضا السماء إلا أن الناس كانت تهاجمهم ، ضعيف هو لم يتحمل ، جن بحبها وهي ذهبت لحياة أخري بعيدة عن الناس ، لجأت للعشق الأبدي الأكبر ، الذي لن يتخلي عنها أبدا ، لم تجري دماء الشهوة في عروقها ، تطهرت حتى في أحلامها !

فتم بعد فترة الاختبار اللازمة وضعها علي التابوت و إقامة صلاة الموتى عليها ، لأنها ستخرج من الحياة الزائفة وتدخل في حياة الرب التي اختارتها  ....

تنهيدة موجعة من القلبين أطفأت شموع المكان كله ...خرجا يدهم ملتصقة ... عيونهم سارحة ... ظلا يسيران بلا توقف ، عبرا أماكن كثيرة تجمع ألوان من البشر ، ديانات مختلفة ، لم تبهرهم كل  الأشياء الذين مروا بها ، كان كل تفكيرهم عندما يصلوا لمكان يمكن أن يستريحوا فيه كيف يقاومون انجذابهم لبعض أولا ؟!  ثم يصلي كل منهم صلاته

بعد الصلاة ، نظرا فجأة لبعضهما وبشقاوتهما المعهودة قررا :

تنهيدة موجعة من القلبين أطفأت شموع المكان كله ...خرجا ويداهما ملتصقتين ... عيونهم سارحة ... ظلا يسيران بلا توقف ، عبرا أماكن كثيرة تجمع ألوانا من البشر ، لم تبهرهم كل الأشياء التي مروا بها ، كان كل تفكيرهم عندما يصلا لمكان يمكن أن يستريحا فيه كيف يقاومان انجذابهما لبعض أولا ؟!  ثم يصلي كل منهما صلاته ..

بعد الصلاة ، نظرا فجأة لبعضهما وبشقاوتهما المعهودة

-          لنذهب الي الغابة ...

-         لكن اين هى الغابة

-    هى المكان الوحيد الذى يليق بنا ... فهناك فقط نستطيع ان نصلي صلاتنا االواحدة  وبدأ يغنيان أغنيتهما المفضلة بسعادة بلا تفكير في التوقعات ، وانطلقا في طريقهما وهما يسمعان صدي صوت آت من عمق السماء بموسيقى  من صنع الطبيعة ، طيور مغردة وحفيف شجروخرير نهر ووشيش الهواء النقى فى الفضاء ، و بهدوء مرعب وقفا للاستماع :

أعطني الناي وغني  ....  فالغني خير الصلاة  ... وأنين الناي يبقي ... بعد ان تفني الحياة ...

ليس في الغابات دين ...  لا والكفر القبيح ...

أين دين الناس وهم ... مثل ظل و يروح ... 

لم يقم في الأرض دين بعد طه والمسيح ...

أعطني الناي وغني ... فالغني سر الوجود ... فأنين الناي يبقي بعد أن يفني الوجود

ليس فى الغااااابـــاااات دييييــــــــــــــــن .. لا ... ولاالكفـــر القبيــــيـــيــــيــــــــــــح

اعطنـــــى النـــــــــــاى وغنننننــــــــــــــى وأنســـــــــــى داء ودواء

إنما النــــــاس سطــــــــــور كتبت لكـــــن بمــــــــــــــــــــــــــــــــــاء
طارا فى نهاية الامر كالملائكة ... صورتهما الان تملأ البيوت ولن يصدق احد يوما أن هذه اللوحات المعلقة لملاكين  صغيرين عشقا بعضهما حتى التلاشى .

Tuesday, April 9, 2013

بعد الرحيل

رجاء حار ، وأنتم تقومون بتنظيف البلد قبل تسليمها للمشترى الجديد ، أن تراعوا المشاعر الانسانية لمن سكنوها وعاشوا فيها سنوات طويلة ، أن تمهلونا وقتا حتى تترغرغ اعيننا بدموع ذكرياتنا الجميلة فى شوارعها و الاستمتاع بقمر ليلها ، وحرارة شمسها ،أمهلونا وقتا ، نشبع فيها من جيراننا واصحابنا ، لاننا سنفقد بعضنا البعض اما بالقتل او بالموت حسرة او بالهجرة ، امهلونا وقتا نجمع فيه مقتنياتنا الغالية من أغانى وصو...ر وافلام وكتب واشياء صغيرة نجيد نحن المصريون التعلق بها ، رجاء حار ، قبل التسليم أن تراعوا تسليم الاطفال سى ديهات مسجل عليها كل الثورات المصرية بعصورها ، منذ ثورة الفلاح الفصيح وحتى الان ، واتركوهم هم يكتبون مصر الجديدة الذى ربما لن يكون اسمها كذلك آنذاك ، خطابى لكم يا ولاة الامر الان به كثير من التشاؤم والخوف والتنبؤ بمصير بلدان مرت بما نمر به الان ، لكننى أسألكم بالله عليكم ، هل ستشعرون بانتمائكم لها وقتما يصبح مالكها هو الهكم ، ستصبحون عبيد عند آله مال جديد ؟
اما نحن الشعب نجيد صنع وطن جديد ، ومصر جديدة ، نحن شعب لا ييأس ويخرج مطرودا من بلده حاملا ذكرياته الخزينة واشلاء قتلاه ورفات شهداءه ، بل بكل حمله يبدأ بداية جديدة وسيكون اسمها مصر ، لأن مصر هبة المصريين والمصريين هبة مصر ، ووقتها سيقوى جيشها ، ويعود ليسترد مصره الاولى منكم ووقتها ايضا ستعودون للسجون كما كنتم ، فرجاء حار أخير ، انظروا فى عيوننا جيدا ونحن نحفر شوارعنا ونيلنا وشمسنا وقمرنا وننقلها عبر ارواحنا ، لأننا سنعود لها ونعيدها كما كانت عليه ، سلام ليس جميلا ، فأننا نستعد للرحيل ، واهنئوا بالبيع والتقسيم ، سيكون لقاءنا لاستردادها قريبا.