نونو فى اول يوم مدرسة

Monday, November 19, 2012

عذرا سيد حزن


يعرف الجميع من هو السيد حزن ؟ هو من يحكم سيطرته على البشرية ، من يجيد تسخير مساعديه لمعاونته فى كل حزن ، بداية من حرمان طفل من ثدى أمه ، مرورا بالانكسارات الصغيرة فى الطفولة ، وفشل الحب الأول ، نهاية بإجبارنا على الاستسلام لمساعده الأكبر ، الموت ، ولذلك تقاوم صديقتى دائما سيطرة جبروته ، فى احد مرات هروبها من السيد حزن ، خرجت باتجاه المرح ، فوقفت مختبئة فى الركن ، تنظر لذلك الكائن الطيفى الذى يشغل مساحة لا بأس بها ، يتعامل مع تلك المساحة كآله نبيل للخمر ، تذهب دائما هناك لتتمرد على حالة العادية التى تعيشها لها الآن عشر سنوات ، تذهب لترى أصدقاء لا يعانون الحزن بقدر ما يعانون مثلها من الوحدة والفقد ، منهم من أتخذ قرارا بمعاشرة الوحدة معاشرة الأزواج ، فيبدو كزوج يهرب من زوجته ليلا ، ثم يعود لها دون أن يتخذ قرار الطلاق أبدا ، ومنهم من يهرب بالفعل من مشاكله بسكر لطيف ينتهى بقصة أو كتاب أو قصيدة أو لوحة ، يتحدث عنها رواد البار الليليين ، كانت هى ضمن من اختاروا الوحدة زوجا لطيفا محببا لا يضايقها ، فتذهب للبار هربا منه حتى تعود إليه فى حالة سكر خفيفة لتتحمل سخافته وثقله عليها ، جمعتها بأحدهم نظرات محبة وشغف ، وقررا خيانة وحدتهما ، سكرا سويا ، ولم يرجعا للوحدة بعد ، فاجأتنى بسعادتها الجديدة ، قالت لي أنها مارست الحب لأول مرة فى حياتها ، وأنها أصبحت عاشقة ، قلت لها ، لا تتعجلي فربما يتقن أداء دور العاشق ، وربما لا يريد لأحد مشاركته عداد قلبه ، وتنهدات أحلامه وكأس خمره وخشوع صلاته ، فأجابتنى ، أنها سعيدة لأول مرة منذ سنوات ، وأنها لن تضيع فرصة سعادتها مع شريك يهرب من وحدته مثلها ، بدأت تستمع لأغاني الحب الساذجة ، وتتنهد إذا ما مر شبيه لحبيبها ، وحرصت على الذهاب للقائه فى مكانه الذى يحبه ، ولكنه مخلص لزوجته الوحدة ، حيث يهرب لحضنها ، كلما شعر بأن حبيبته ستأخذه بعيدا عنها ، فيختفى بعيدا عن الأنظار ، ويرسل لها رسائل مؤلمة مغذاها "أنا لا أحبك ،أنا أحب وحدتى" ، فتتورط فى شعور مقيت بصدمة عاطفية ، ويضاف لها مجددا شعور فقد لا تجد من يشاركها فيه ، تمنيت كإحدى متأملات الحواديت العاطفية المؤلمة ، أن أرسل رسالة لكل هؤلاء الذين يجرحون كموس ناعم دون أن يشعرون ، من يتركون أحبة يتهاوون فى الطريق ولا يعيرونهم أدنى التفاتة ، أريد أن اخبرهم عن حال العشيق المغدور .
"ترى من سيهاتف الحزين صباحا عندما يترك الحبيب ليله بهذا الحزن ؟  ليخبره فى هذا التوقيت العصيب فى عمر النهار عن ألمه ، حيث تلهث الأمهات مع أولادهن ، وسيخاف الآباء الرد على تليفون صباحى حتى لا يضعهم ذلك فى وضع خائن محتمل لدى زوجاتهم ، حتى الفتيات الصغيرات منشغلات بتليفونات أحبتهم ،عليك أيها الحبيب القاسى ، عندما تقرر أن تنسحب أو تؤلم ،  أن تفعل ذلك نهارا ، حيث صخب الحياة سيمنع من وقوع كوارث كبرى ، وسيتيح للحزين منك ، إخراج غضبه بلا إشارة لجرحه العاطفى ، كأن يصرخ فى الطريق تأففا من زحام السيارات المتكدسة وقت الذروة ، أو أن ينهار من الوقوف على محطة الترام ، فيبدأ فى عرض ملاحظات غاضبة عن المواصلات ووزير المواصلات ورئيس الجمهورية ، النهار سيعالج لحظات الغضب الأولى من قسوتك أما الليل فيجمع كل مشاعر العشق معك ويملؤها بالوجد والتذكر لمآسى الحياة التى ظن الحبيب أنها انتهت بظهورك  ، فالليل يتحالف مع الحزن ، والوحدة ليوجهوا للقلب ضربة قاضية ربما تكون فى مقتل الحنين تحديدا  ، لماذا اتفقت معهم جميعا ولم تأبه لطيبة وعشق وأتناس حبيبك بك ، وتجعلهم يشفعون لك عند قسوتك وجبروتك  
الأن وبسبب الليل يكبر الحزن بالفقد إلى حد بعيد ، حيث يأتى الصباح الأول لليلة الحزن كئيبا ، تخلو من سمائه زقزقة العصافير وهديل اليمامات ، تهرب منه روائح الأشجار المنداه بالمحبة .
لم يسألك من غدرت به ، يوما ، إلى أين سيتجه بكم قطار المحبة عندما تورطتم فى ارتياده سويا ، ليس ذنبه انه تعجل وصوله لمحطة النهاية ، لم يكن يدرك أن سائقه أهوج إلى هذا الحد ، أو أن هناك من يقف متربصا بالقطار ليوقفه فى الطريق" .
كم مؤلمة هى مشاهد الوداع الدراماتيكية ، خاصة تلك الناتجة عن سوء الفهم ، والتى تشبه فى إخراجها القدرى ، لغز معقد لا يفهمه حله إلا المتفرجون ، فقد فهم خطأ فى المحطات الأولى أنك تريد ان تشاركه محطة وصوله ، فإذا بك تستأذن فى الذهاب لشراء باقة بنفسج ، يعرف الجمهور وجهتك ، تضع الباقة على قدميه ثم تقبله بشغف ، فيخرج من إغماضه عينه بأحلامه الوردية ، ليفتحهما على يدك وهى تلوح له من شباك القطار وهو يتحرك فى اتجاه محطته المقفرة .
ربما لو كانت أبنه ستة عشر عاما لطاردتك في كل مكان ، وجلست في ركن البار تحاول تمثيل التجاهل ، والنضج ، تشرب بفضل قسوتك أول كأس للخمر ، فيدور رأسها ، وتدمع عيناها ، وتقوم بتهور لمناداتك عبر السكارى ، فتقف بثبات وغرور مصحوب بابتسامة ساخرة من سذاجة فتاة صدقت سحر النظرات ، ثم تقف بجوار شمطاء سبعينية ، ورفقاء البار الناضجون لتهدئتها بكأس براندى مجففا دموعها ، وتمر السنوات لتصير مجرد رفيقة سكر ، تأتى هاربة من ضغوط الوحدة والحزن والعجز ، لكنها للأسف امرأة قاربت الأربعين ، ليس لديها زمن تعليمى جديد ، لم تعد تملك حياءا يجبرها على أداء دور الضحية ، فقط تملك قلبا حديديا تسجن فيه مشاعرها المهلكة وجسدا يقاوم العطش بالإيمان ، لذلك وببساطة أيها المستمتع بالوحدة هى تهنأ بالحب والعشق ، ولا تهتم بمن لا يقدر قيمة عشقها ، خاصة أكلوا الأجساد والقلوب ويكفى أنها استطاعت قهر السيد حزن من قبل ، ورفضت سيطرته عليها ، حتى بالموت ، ذلك الرفيق الذى يصر على مطاردتها اينما اتجهت ، ستصادق السيد حزن وتشرب معه ، وستقنعه بإبعاد الموت عن طريقها الى أن تتخذ هى القرار وتطلب مساعدته ، فيكفي السيد حزن انها صاحبته وفضلته على الجميع ، فخور هو بها السيد حزن ، لذلك سينفذ طلبها اللئيم ، ويتركها تنعم بالحياة قدر الإمكان ، بل وسيساعدها بإبعاد من هم أكثر حزنا منها عنها ، فيكفى هو رفيقا دائما .
                                  اللوحة مأخوذة من بروفايل بكر الجلاس