نونو فى اول يوم مدرسة

Sunday, November 20, 2011

قاهرة الوحدة


                                           بيكاسو
أعتقد أن هناك الكثيرون والكثيرات يشاركوننى الشعور بالوحدة ، لكن بالتأكيد ليست وحدتهم كوحدتى ، هى وحدة فى مكان ينتهى أخره إلى ميدان التحرير ، ويتمتع بحضور قوى لبلطجة وأمن يضخ قوته إلى الميدان ، ويصنع رهبة ورعب كبيرين فى نفوس الناس الساكنين هنا ، هل هى مصادفة قدرية أنه بمجرد سكنى فى هذا البيت الجميل ، أن تقوم بعد اقل من ست شهور من سكنى فيه ثورة عظيمة فى مصر ، وأشارك دون أن أدرى أنا معدومة السياسة أصلا ، و التى لم تصدق يوما فى حياتها حزبا أو سياسيا ، فقط كانت تصدق كل الأغانى الوطنية وتحتفظ بها فى شريط كاسيت تضعه حقيبتها ، حتى إذا ما ركبت سيارة ميكروباص أو تاكسى ، تناشده ان يقوم بتشغيل شريط الاغانى الوطنية ، فيتعجب السائق منها و يتململ ثم ينزعه ويعطيه لها مدعيا خراب الكاسيت ، هل معقول أن تتحول حياتى منذ قدومى لهذا المنزل لشخص وطني حتى النخاع ، لا يخاف وأنا الذى كنت أخاف أن أنام فى بيت هادئ وبعيد عن القلق لمدة ثلاثة أعوام ، فى عز الهدوء والاستقرار الذى يدعون انه كان موجود فى العهد السابق ، فإذا بى هنا فى بيتى العجيب الشاهد على أغرب أحداث لم أكن أتوقع ان أشهدها فى حياتى وهى أحداث الثورة منذ بدايتها وحتى اليوم 20-11-2011 حيث تلقى قنابل حديثة الصنع من الغاز المسيل للدموع ورصاصات فى العين والجسد ، وتكويم جثث فى الميدان ، وتحرش بالطبيبات من قبل الشرطة فى المستشفى الميدانى واطلاق الغاز على المستشفى ،  وقلق نسوة مصطبة الشارع ودعائهم المستمر على بتوع التحرير اللى وقفوا حال "بتريناتهم" وهم يأكلون الفراخ والكباب من عند الكبابجى المطعم الوحيد المفتوح فى المنطقة كلها تقريبا ، ورغم أستعداد الشباب الذى تم تمزيق رجولته وكرامته مع البرشام والمخدرات والجنيه من قبل أمن أدمن الكسل بنشاط هؤلاء الشباب الذى تحولوا من مسجلين الا مرشدين بشعور بطولى زائف ، بثه داخلهم ظابط ضعيف لا يقوى على مواجهة الميدان بزيه الرسمى ، او نائب مجلس شعب خائف من تأجيل الانتخابات وسيارات الاسعاف المارة كل ربع ساعة تقريبا ، وصوت الرصاص المستمر طول الليل ، مع كل هذا ، استطيع أحيانا ، أن أنام بعمق فى عز التوتر والشغب والمعارك وصوت الرصاص وقلق التوتر على من بالميدان ، بل ولا اتعب من السهر حتى الصباح ولا اشعر بإرهاق واننى أريد أن أنام ، بل أظل يقظة مترقبة ، من بيتى أتابع البلطجية التى رأيتهم فى الايام الاولى للثورة وهم يقسمون أنفسهم بناءا على أوامر من شخص أمنى ويضعون خططهم للهجوم على ثوار الميدان (البلطجية المأجورين) ، أرى بعينى شرائط البرشام الذي توزع عليهم والمبالغ المالية وهم يقسمونها فيما بينهم ، ثم اسمع عتابهم لبعض بعد التنحى بأيام ، وهم يندمون على ما فعلوه فى الثوار ، وان عليهم ان يتغيروا ويصبحوا رجالا وان النسوان ارجل منهم ، وعليهم ان يبدءوا صفحة جديدة ، ثم سرعان ما يتغير كل شىء ، ويعودون لسابق عهدهم ويتابعون البلطجة ليلا وعمل شريف نهارا بكل براءة ، من شرفة منزلى أتابع الميدان بكل تفاصيله ،عندما يتوجب على أن أتواجد بجانب ابنتى التى تنام من الثامنة ، وقررت انه لا نزول بعد رحيل " مبارك" لأنه رحل ولن يعود ، وعندما أسألها ولكن " يانونو لسة فى ناس أشرار " فتقولى " متخافيش يا ماما " هايمشوا " بس بلاش ننزل بقى " وكما تقول لى هى وأبى وزوجة أبى وآخى وزوجة اخى ، بلاش نزول الميدان ، و أصدقائى الذين يحبوننى ويخافون على ابنتى وعلى مستقبلها من دونى ، متنزليش يا سهى عشان بنتك عايزاك" فلا انزل ليلا فعلا ، ولكن نهارا لا أطيق الانتظار حتى أرى الميدان بعينى ، ويكفينى ليلا متابعة الوجه الآخر للميدان (بلطجية ، مواطنون شرفاء ، وحزب كنبة ، وبرامج ، وانتخابات ) اجلس أتابع الأخبار لحظة بلحظة من هنا ومن هناك ، تشاركنى برامج ريم ماجد ويسرى فودة وحدتى ، ويطمئن على صديق أو صديقة كل فترة ، "أنتى تمام ، خلى بالك من نفسك واقفلى الباب عليكى كويس " لم أكن أعرف اننى قوية الى هذا الحد ، الا منذ بدأت الثورة ، وحتى هذه اللحظة ، ورغم شكوتى المتكررة من الوحدة ووجعها والتى عانت مدونتى العزيزة هنا وقراء مدونتى الأعزاء منها وشاركوني شكواى ، إلا أنني لم أكن أدرى ان الوحدة علاجها التماهى فى خدمة الوطن ، او لنكن أكثر بساطة حتى لا تبدو الجملة " كيتش" أو ارتفيشيال" فى خدمة إحساسك بوجودك ودفاعك عن حقك وحق كل الناس معاك ، الوحدة علاجها الآخرون ، وليس علاجها حبيب او زوج او صديق ربما يختفى بمرور الزمن ، وسرعان ما تعود وحيدا بالتأكيد ، الوحدة علاجها ان تكوون احد تروس الحياة والحب واستمرار السلام على الأرض ، الوحدة علاجها ، أن أرى مستقبل أبنتى أمام عينى ، واحميه من السرقة ، حتى لا تحاسبنى عندما تكبر على تفريطى فيه ، ربما فرط فى حق ابنتي من أرث أبيها الذى يصر أهله على انه ليس من حقها إلا عندما تتمم عمرها الواحد وعشرون على أساس أنها تعمل وتصرف على نفسها ذاتيا ، وهم يعلمون ان ولدهم لم يكن له معاش ولا اى سند مالى فى الحياة ، ربما ستسامحنى لأننى فضلت آلا أعادى أهل والدها ، حتى تكبر هى وتكون واعية بما لها وما عليها ، ولكن لن تسامحنى عن كيف أعلمها أن تأخذ حقها من الحياة عموما وليس من إنسان سيواريه التراب يوما ، وسيحاسبه الله على ما قدم ، بل ستحاسبنى اننى لم اعلمها تعليما مبدعا ، واربيها تربية تفخر معها بتقديم نفسها للعالم ، وتقف فى وجه أى ظالم وتخبره عن ظلمه بكل قوة ، اعلم أن كل أب وأم ، يعرفون جيدا معنى أن تكون حرا لأجل أولادك ، وان العبودية لن تورث الا عبيد ، فبالله عليكم ، انظروا فى المرأة لو دقيقة واحدة ، هل انت حر كما خلقك الله ، قادر على اتخاذ قرارك فى الحياة ، وقادر على ان تحيا كريما بلا اهانة ، وقادر على كسب رزقك بلا تهاون ، وانك ترفع رأسك بكل فخر أمام أبنائك بلا خوف من ان يكشفوا نفاقك لرؤوسائك ولأى سلطة لمجرد انها تحميك وكأن الحياة والموت بيد هذه السلطة ،" ولا تدرى نفس بأى أرض تموت"