نونو فى اول يوم مدرسة

Tuesday, December 14, 2010

ألتباس

عرفه كما عرفته ، فهو لم يكن حزينا ، و لم يعرف الأمان ، حار فى اختيار جمل تعبر عن تاريخ صنعه بحنكة وخبرة راوى كاذب عن أساطير عائلته ودنيته المنسحقة !

تاه بين أكثر من آثر لعائلة كبيرة ، لم يتبقى منها الا اللصوص والقتلة ، حاول إيجاد إجابة على أسئلة وجودية ، لم يجد لها مثيل فى كتب الفلاسفة القدامى .

- لماذا لديك هذا الشعور الملتبس تجاه زوجك الراحل ؟

هل ؟ يجوز أن أِشعر بالحنق تجاه عاشق ، كتب لى عشقه على صفحة جسدى بريشة غمسها فى دمه ، ثم قبل كل حرف كتبه فى مكانه .

- آلست غاضبة منه ؟

هل؟ يعقل أن أشعر بالغضب من فانى لم يصبر على أن يصير أحد أكاذيب الحياة .

- هل ؟ ترتاحين هكذا وهو يسيطر على حياتك رغم رحيله الذى طال ؟

فى الرحيل عن هذه الأماكن المزيفة راحة أحسده عليها ، له وجود لم أقصده ، ولم يقصده ، فقد صنع القدر حالة شديدة التعقيد بينى وبينه ، جعلنى أمه وأخته وصديقته وحبيبته ، فى الوقت الذى لم أشعر تجاهه إلا بالحب ، فكانت مفاجأة المسئولية ، أنه يحتاج منى أن أقوم بكل الأدوار ، فانا أمه التى تغضبه ويعنفها بلا خوف من غضبها الذى لا يعنيه ، وأنا أخته التى أحبها اكثر من أى كائن فى الحياة وكانت تغدق عليه بكرم لا نظير له ، ولا تتمنى له إلا السعادة ، وصديقته التى تؤنس وحدته وتشاركه اهتماماته وكل ما يفعل فى الكون من مبيقات ولا تنتقده أبدا ، وحبيبته التى جعلها أسطورته الخاصة وصنع منها نجما لا يطوله احد غيره ، ورغم كل ذلك لم يكن بالقوة الملائمة لأن يسيطر على حياتى وهو فى الأرض ، كان اضعف من أن يثبتنى عليها ، اهتزت كل الأماكن الذى مرق عليها من دقات قلبه ، فلا يثبت ابدا فى مكان ، كما لم يثبت فى البيت.

- كيف تقيمين علاقتك به بعد كل هذا الوقت، وبعد غدره الماكر بك ؟

تخيل دنياك بلا أحد يناديك ؟

بجبروته فى التعامل مع الحياة ، إذا ما غضبت منه وطلبت الانفصال ، أجد أمامي طفلا يتوسل الرضا والغفران ، يستثير فى مشاعر أمه وأخته ، أعطى فرصة جديدة لمارد حب لا يهدأ وعفريت موهوب يحترق بتعويذات سحر أسود ، يتجدد أمل فى إصلاح حاله ، سلوكه المؤذى لمشاعر منافقين دقوا أبواب الغباء الروحى ، تباهوا بأنهم الملائكة وهو الشيطان بأم عينه ، نسوا أن أكثر من أحب الله هو الشيطان ، يسعى حتى تزول الأرض وما عليها ليثبت لله ، أنه الأجدر بثقته من أدم وآل أدم المخلوقين من طين ، كان جريئا فى إعلان دعمه للشيطان ، لم يقوم بتمثيل دور التقى المؤدب الخائف من غضب الله لأنه حالف الشيطان بعض الأحيان ودعم نشاطه المكثف على الأرض ، حتى عندما داهمه المرض اللعين و الذي قرر ان يتحدى به الظروف المؤذية لروحه وحياته ، خرج للسماء يعاتبه جهرا

- " ليه بتعمل كدا فى ، أنا لسه معشتش ، لسة مشبعتش من الدنيا ، أدينى فرصة ، ايه أنت شايف بعينك اهه أنا مش حمل موت دلوقتى "

وببساطة فى نفس اللحظة اللى بكى فيها ، التفت لى بكل براءة وخبط راسى براسه "روسية " يعنى وهو يقول :

- "مش هاسيبك لوحدك هنا ومش هاروح لوحدى هناك ، لازم تيجى معايا "

- أنت بتتكلم بجد ، عايزنى اموت معاك

- ايوا

- طب والبنت ؟!

- متهمنيش ، انا عايزك معايا وسيبهاله هو ، مش هو قادر على كل شىء ، خليه هو يربيها .

أغضب بشدة ، أذهب بعيدا عنه ، يتحرك تجاهى وهو يتهاوى وكأن السر سيخرج حالا ، يجذبنى بعنف من يدى ، يخبطنى مرة اخرى ولكن هذه المرة فى الحائط السيراميكى اللامع ، فتزف رأسى نزيفا مخيفا ، يلتف الناس حولى ، وهو يقول لهم ،

- مش عايزا تموت معايا بت الكلب ، هاتسيبنى أموت لوحدى

يهدىء الناس من روعى وخوفي ، يتركونه ويلتفون حولى لينصحونني بالصبر والاحتمال فى حين يؤكد طبيبه ، أنني لن أشعر أبدا بما يشعر به ، فهو بين أيادي الله

- وهل يا دكتور ايادى الله يمكن ان يصدر عنها مثل هذا الشر ؟

يجيبنى الدكتور بأن الله يعطى الفرص للجميع ، فيسبه بلفظ مقزز ، وهو يسب الله فى نفس الوقت ، ويؤكد على الطبيب ان هذا الذى يتحدث عنه ، لم يعطيه اى فرص من قبل ، بل انه منذ ولد وهو حزين وبائس ، وهل هذه فرص يعطيها إله " فرص للألم فقط" .

فى نفس الغرفة الذى سكنها كان هناك طفلا فلسطينيا ، يرافقه ابوه الفلاح البسيط الطيب الى حد البكاء ، لم أراه يحب أحدا فى الحياة مثلما احب هذا الولد "يوسف " ووالده ، وعندما علم ان "يوسف " فقد عينه اليمنى خطأ ، حيث شخص الطبيب حالته على ان لديه ورم سرطانى بالعين ، فى حين ان الامر كان لا يعدو "خراجا" يطيب بقطرة غالية الثمن فقط ، طق فى قلبه عرقا جديدا ، وداهمته أزمة مميته فى ذلك اليوم ومنذ ذلك الحين ، أصبح يوسف و ابو يوسف وكل من يزورونه من أقاربه الفلسطينين هم أحبائه " ، كان يطلب منى طلبات لا يفهمها احد غيره وغيرى ، ويرفض ان ابدو غير مهندمة او بملامحى شجن ، يريدنى متوهجة متأنقة ، ولم يكف عن امدادى بأخر ما وصل للعالم من انجازات سواء على مستوى القراءة او على مستوى الكتابة او الكرة والسياسة ، يحدثنى عن احزان بشر لا يراهم غيره ،عندما حلم بأن أخته تحيك له جلباب أبيض، سألنى عن تفسير الحلم ، أجبته بأنك ستشفى ، ثار وغضب ، بل كاد يقتلنى وهو يقول لماذا تكذبين ؟ ، أنا اعرف تفسير الحلم جيدا ، تفلسفت عليه قائلة ، الحلم حسب نية تفسيره يا حبيبى ، بكى وهو يقول ، لا يا عمرى ، انا سأموت وهذا كفنى ، اعرف جيدا ، رأيتهم أكثر من مرة هذا الاسبوع ، يحومون حولى فى المستشفى ، هربت منهم كثيرا ، فأنا أقضى وقتى كله تقريبا بالحمام حتى لا يدخلون الى ، فهو ليس واحد ، بل هم كثر ، رفضى لهم يجعلهم ثائرين على ويطاردوننى ، أذهبى واستعدى ، ولا تغيبى على ، فلن أرحمك ان غبتى على وانا ميت .

15 comments:

الكلمة نور said...

هايل

محمد سامي البوهي said...

هنا أقرأ في صمت
لكن قررت أن أكتب
كلمة حق
أستمتع بالقراءة لك

حسن ارابيسك said...

سهى
بقدر ما تسعدنا كتاباتك وكلماتك كعمل أدبي بقدر ما تحزننا وتعصر في قلوبنا ، أنا أدرك جيداً وبلا شك أيضا المقربون منكِ أن أزميل حزن الفراق لرفيق العمر الغالي مازال ينحت بقوة دخل كل كيانك سنين وأزميل الحزن داخلك لم يهدأ ولم يكل ولم يمل ولكن لحظه العاثر انه ينحت في كتلة من الجرانيت الحي جرانيت له روح يتفجر فيها الألم صحيح ولكنها دائما تشكل لنا قطعة فنية أدبية رائعة وهو حال كل الروائع التي عرفها التاريخ عندما تفجرت من شدة ألم ومعاناة النفس البشرية لتجارب حياتية مختلفة وأنا أعتقد أن أشدها هو ألم الفراق الذي يسكنك ويرافقك في صباحكِ ومساكي وعلى مدار اليوم وفي ليلك أيضا يصاحبك حتى إلى سريرك يرقد بجوارك يقتسم معكِ وسادتك التي أهلكتها دموعك حتى قلمك أستشعره يشكو من وطأة الحزن في مداد قلمك ويتسأل وهو يعرف انه لن يكون متى يستبدل مداد حزنك بفرح
حسن أرابيسك

حسن ارابيسك said...

سهى
بقدر ما تسعدنا كتاباتك وكلماتك كعمل أدبي بقدر ما تحزننا وتعصر في قلوبنا ، أنا أدرك جيداً وبلا شك أيضا المقربون منكِ أن أزميل حزن الفراق لرفيق العمر الغالي مازال ينحت بقوة دخل كل كيانك سنين وأزميل الحزن داخلك لم يهدأ ولم يكل ولم يمل ولكن لحظه العاثر انه ينحت في كتلة من الجرانيت الحي جرانيت له روح يتفجر فيها الألم صحيح ولكنها دائما تشكل لنا قطعة فنية أدبية رائعة وهو حال كل الروائع التي عرفها التاريخ عندما تفجرت من شدة ألم ومعاناة النفس البشرية لتجارب حياتية مختلفة وأنا أعتقد أن أشدها هو ألم الفراق الذي يسكنك ويرافقك في صباحكِ ومساكي وعلى مدار اليوم وفي ليلك أيضا يصاحبك حتى إلى سريرك يرقد بجوارك يقتسم معكِ وسادتك التي أهلكتها دموعك حتى قلمك أستشعره يشكو من وطأة الحزن في مداد قلمك ويتسأل وهو يعرف انه لن يكون متى يستبدل مداد حزنك بفرح
حسن أرابيسك

تايه وحيرانة said...

كتابات رائعة تعبر عن نضج ادبى مبشرا باديبة متميزة واعدة

دنـيـا محيراني(ايناس لطفي said...

قلبي يعتصر
مؤلمه اوي سا سهي

سهــى زكــى said...

الكملة نور
اشكر لك مرورك
ويسعدنى اعجابك بما كتبت واتمنى الا تكون المرة الاخيرة

سهــى زكــى said...

محمد سامى البوهى
انا التى تعجز الان عن التعبير عن سعادتى برايك واتمنى ان تستمتع دائما بما أكتب
رأى مثل رأيك يبهجنى لانه رأى قارىء متمرس قبل ان يكون رأى مبدع

سهــى زكــى said...

حسن باشا أرابيسك
سونة صديقى الاثيرى الذى أحبه جدا جدا جدا وادعو الله دائما ان ينعم على برؤيتك ولقاءك قبل ان اموت او على الاقل فى فرح البنت ، يا صديقى دائما ما تدعمنى بأرائك وتحليلك الدقيق والعميق لما اكتب
وأبشرك اننى على يقين ان حالة الفقد الدائمة التى تنتابنى تلك ، ستزول انا مؤمنة بذلك وانتظر
واتمنى وقتها عندما اكتب ان تعجبك كتاباتى مثل الان

سهــى زكــى said...

تايه وحيرانة
انا بجد مش عارفة اقول ايه ، جملة نضج أدبى بالنسبة لى كأنها جائزة بالنسبة لى لاننى طول الوقت اطمح الى هذا النضوج وطول الوقت اتعلم واتعلم ولا أشعر الا اننى واعدة وانتظر تحقيق الوعد من الزمن وان أحقق لنفسى وعد الكاتبة المهمة
شكرا

عصـــــــــــام الــــديــن said...

اميرة الحكايات
وحشتنى كتباتك الجميله واسلوبك الرائع
ويارب دائما فى تقدم ورقى
تحياتى لشخصك وللاميره نهى
عصام الدين

hasona said...

هل نحترم شهدائنا ومطالبهم
قد نتحاور مع الجاني وندوس علي دمائهم باقدامنا ونهدر حقهم بل نهدر كل ما تبقي لنا ولهم من حقوق خلف ستائر من الحوار التي قد لا تنتهي
وقد نسجد علي دمائهم فتترك أثراً في جبهتنا فتعلوا قامتنا فنسير معتدلي القامة لنكمل المشوار
هل نبقي علي جسر بين التشائم والتفائل

رجل الاحزان said...

اميرة الحكايات

بين سطور الخيال واقلام الحقيقة

تكتبين علي صفحة الامتاع روايات من

عالم لم اشهد له مثيل

لكلماتك واقع ملموس في نفسي

تجد لها صدي لم اشهدة من قبل


سيدتي دمتي بكل ود

تحيتي

Anonymous said...

وكانت هذه المادة لقراءة لطيفة ، شكرا لك على المشاركة فيه.

محمود من الرياض said...

ياة انت اديبة ساحرة فعلا مع ان هذا البوست متعب جدا جدا عموما عجبني جدا جدا ويارب يخليك لبنوتك وتشوفي ولاد ولاد ولاد ولادها ودي مش مدونة واحدة شريرة لا دي مدونة واحدة قمر اة صحيح عجبني قوي ( نسوا أن اكثر من احب الله هو الشيطان)