نونو فى اول يوم مدرسة

Monday, May 12, 2008

فى كابينة جسد هانى فضل

أوجاع لا تنتهى
صديق كلما قابلته بتلك اللمعة والنظرة الحميمية التى تطل من عينيه أشعر اننى صديقته الآثيرة ، كما يشعر كل من ينظر لهم ، مخلص إخلاصا مسيحيا ، ذلك الشاعر المتألم دائما بسبب "كذبة طافية ترقد فوقها أمنية حياته " كما صَدر ديوانه بهذه الجملة فهو يتألم تلك الآلآم التى تربك حواس البشر جميعا كما فى قصيدته الأولى
"دمى المتثخر يتحرى
طرقا طرقا باردة يهجرها الصقيع – كهوفا لم تمت- بعد دمامتها " ..
طال أنتظارنا وأنتظار هانى نفسه لصدور ديوانه الأول لأسباب كثيرة يشترك فى معظمها كل الكتاب وأسباب أخرى تخصه ، ولكنه أخيرا أنقض " أنقضاض طائر لفريسة تعدو " على الشعر الذى يتميز فيه هانى بلغة خاصة ليضغط على مواطن الوجع داخله وداخلنا جميعا كما قال فى قصيدته التى تحمل نفس الاسم
"
بحضور مباغت سأصعد تلا من الرمل
وأنقض صارخا غير مبال بالصخور
التى فى طريقى أو النتؤات الجافة
والحفر التى تركها إنهمار المطر منذ أحقاب بعيدة
"
فهكذا يتحرك بعقولنا داخل أوردته وشرايينه ومخه .. يطوف بنا أرجاء كابينته العفوف ..ذلك الجسد الذى يشع نورا إذا لمحته قادما من بعيد .. لا أبالغ هنا أن قلت أن "هانى فضل " يبدو كمجذوب صوفى بتلك اللحية الأسرة التى تميز وسامته ببساطة تسمو روحه وتحلق فى أماكن يمر عليها حتى تنتهى روحه من السلام والكلام وتعود داخل كابينته الموجوعة فى هدوء فتشعر وانت جالس معه وهو يستفزك بصوته الخفيض جدا ونظرته الثاقبة وكأنه يعرى داخلك كل الضعف الذى نتج عن خوفك من مذبحة الأيام ، حالم وكأنه أمير فى حكاية رومانسية قديمة وهو حريصا على آلا يزعج الاصدقاء بألمه كما قال
"
لن أتألم
ذلك ما أقوله لأصدقائى
حين يتركوننى
وحيدا "

ولكنه أيضا ثائرا على طريقته ، ثورة إيجابية بلا صياح أو استعراضات لفظية ملونة وشعارات ، ثائر بغضب عنيف قاتل لأى فكرة مبتورة أو قاتلة ، فتجده ببساطة بلا إزعاج للواقفون بالخارج " مرة واحدة سأدفع الباب – هكذا – دون أنت أنتظر " آرأيتم هذا عنوان قصيدة .. هو بالفعل قصيدة ، عنوانا مشوقا لدخولك لعالم من الشعر الجديد لايشبه فى تكوينه احد الا هانى فضل نفسه ، شاعر يرى نفسه ويراقب وعيه وتاريخه وخطواته القادمة جيدا .. يستطيع أن يرى لنفسه جيدا دون مساعدة من أى مصباح زائف فيقول فى قصيدته " عدنى مرة ثانية لن ترتكب خطأ كهذا "
والصداقة قبو كبير
بلا هبة هواء واحدة – الأشياء ستحدث دائما –
بينما أبتسم فلا أنتبه
..
أما فى قصيدته " مساء الخير يا أبى .. لم تلتقطنى بعد سيارات الشرطة "تجد لهانى تلك اللغة الخاصة سواء اختلفنا مع جمالياتها ام اتفقنا ولكنها تنفذ اليك رغما عنك .. فلن تجد قافية او وزن او تلك الموسيقى الشهيرة فى الشعر العامى الحر ، هانى يحاول ان يلقى لنا أوجاعا شعرية ليست جديدة بتأملات جارحة تماما وعليك إحتمالها أو تقطيع الديوان أفضل إن أردت آلا يضغط أى مخلوق على جرحك المتثخر فكفاه تشوها .. اذا "لماذا
"يجب أن تقول –
أسكت – أو قل شيئا غيره
وراقب قليلا "
يراقبك هو أيضا فيما تستطيع أن تقوله من كلام بلا داع ، لذلك سيجرح "البدينة" التى راودته وامتصته كحلمة ثديها المعصوم ، سيلعنها برقة ورفق ويلعن نفسه بعد اكتشافه أنه كان معها ولم ينتبه ليبقى فى أخر الأمر ..
"
وحدى أنا المغنى
بلكيكها أدمدم ولم أنتبه
فى عرائها الخرافى ".
ثم يحاوطنا بأسئلة وجودية تقلق كل الشعراء والكتاب المهمومين بفكرة القضاء والقدر وحل أزمة الذات والوجود عن اسئلته بهدوء فى محاولة لإرشادنا الى حل معه
" سنسكن الروح معا –
سندلف – فى لحظة واحدة –
اليها ، مخلفين أسمائنا هذا الفراغ يشظيه ساكنه –
هواء ضحل تعبره الأنامل ، رذاذ بمائه يعلو ويضحك
كأثداء تهبط من شجرة المخيلة التى أدميناها
برماد ينتقض ويعوى "..
ما الذى يمكن أن يفسر لنا لغز هانى الكبير اقصد ديوانه .. أعلم ان الفن لا يحتاج لتفسير ، لكن هناك كتابات تعدوك للحيرة والتأمل والوقوف مع نفسك .. ترى سيحل اللغز الذى طرحه هانى حيث حاول التعامل مع الحياة "بتعريفات أولية
سيبقى أملى الواهى
فى أن تصمت الأشياء
– دفعة واحدة –
بضغطة من لسانى على حروف الحذر
.
هانى يا صديق روحى العظيم .. أبارك لك بصدورك ديوانك الأول وأبارك لنفسى بوجودك دائما .
ارجوك لا ترقد " جثة زرقاء تصلح للبكاء عليها "



جثة ٌزرقاء تصلُح للبكاءِ عليها .
_ 1 _
منذ عشرين عاما فقط
أدور محلقا
بعيدا عن الرائحة .
رائحتي ثقيلة
وربما عفنة قليلا
لا تعبر أيضا - وبشكل ٍ جاد –
عن جثة ٍ زرقاء
أصابها مرورُها المعتاد - يوميا –
خلالكم
بكدمات ٍ خفيفة.
فوق العينين
تحت الشفة السفلى تماما
ثم
إلى اليمين قليلا
فوق الأذن
ثقوبٌ وردية تجلطت فوقها الدماء .
وربما نالت الأصابعُ وحدها
ما يكفيها
جراء المصافحات الحميمة
بالأيدي التي
ربما تحمل ُ مشارط
ومعاول رهيفة ً أيضا.
للبحث عن تلك الأشياء
التي تجعلنا نبتسم – هكذا –
بلا قلب .
تلك الأصابع
التي تعرف – وحدها – علامات جثتي
وتلتقط الدود – فجأةً –
حين يتساقط ُ من جانب فمي
بينما لا أدري – تلقائيا –
تبين أجزاء عارية ٌ من دماغي
ودود ٌ يبص ُ منها
إلى العائلة .
ولا أستطيع الرقص فوق المائدة
- لتتساقط جميعها دسمة ًوقصيرة -
فينظرون لي بدهشة ٍ
أخواي الصغيران
وأمي
ثم
أبي ينتفضُ ماسكا
في مكانه .
والتكشيرة ُ تضغط على حاجبي
أزدردُ بالملعقة
أقف ُ
ثم منحنيا
ألتقط ُ كل ما تناثر بعيدا .
وعلى ذقني
ينسال ُ ممطوطا فأرتعد ُ
لملمسه الدسم
وربما هرستْه أطراف ُ الأصابع
- دون أن أدري – فوق فمي
خجِلاً أنظر إليهم
وفوق شفاه ٍ ملتوية ٍ
ربما يكتمون غيظهم
مني .
وربما أيديهم فوق أفواههم
لن تمنع غثيانا – مفاجئا –
سوف يغرق المائدة .
_ 2 _
بمرور الوقت
أصبحت رائحتي خاصة ً بي وحدي
أعبر ُ ميدانا كبيرا
فتدفع الآخرين بعيدا
تجاه الحوائط .
عبر كثافة ٍ
لها حيوانات ٌ بيضاء
وحدها تجئ ليلا ً
لتلحس هشاشة ً من فوق جسدي
لتغلفني برائحة ٍ جديدة
تصلحُ للمداعبة .
- لقد اعتدتُ كل هذه الأشياء
التي تصيبني بالملل
تماما حين تجئ خصيصا
وروحي خربة ٌ بعد
و مصابة ٌ بالتهالك
فوق البلاطات الباردة .
ولا تستطيع الطيرانَ بجدية
بأجنحتها التي تحمل تشخيصاً
خاطئاً لها
بترنيمة ٍ غامضة ٍ
تشبهُ البكاء
تحدث بعد منتصف الليل تماما
فتستجيب لها الأشياء
وتتحرك ُ جميعا -
آه
روحي مصابة ٌ بالتهاُلكِ
محتاجة ً للبقاء مع ذلك .
و حفيفها يتحرك ُ دائما هناك
تلك الرؤوس الصغيرة السوداء
وذلك الحفيفُ يتحرك ُ – هكذا –
فوق الأسرّة ِ
عبر البيت
ثم
تمتد ألسنة ٌمنهاٌ
لتمتص من جسدي قليلاً
- تسحب ُ أجسامها البيضاء الدسمة -
تكبر ُ وتكبر ُ سريعاً
خفيفاً في البدايةِ
ثم تنهار الظلال
حين لا تتسع الغرفة
لمزيد ٍ منها .
_ 3 _
نهارا
ربما أنتظر امرأةً هناك
لتتعلق بذراعي
لأخيفها بدودة
وربما ضحكة تتخبط
داخل صدري فأحس بآهة ٍ
فأقولُ
آه .



1 comment:

reem said...

وحشاااانى