نونو فى اول يوم مدرسة

Thursday, January 31, 2008

البقاء للمعلبين


أعرف أنك هنا ، معى فى كل مكان ، أعرف انك تسرى فى الدم وتختلط بالدموع الملهبة لوجنتى ، تضاجعنى ليلا وتحتضن ابنتنا قبل دخولها للعب مع اصدقائها
"بابا فين "
يسألونها : بابا فين ؟
فتجيب
انه فوق،
فوق اين؟
فى السماء
انت فى السماء ، معى ومعها ، لذلك حبيبى ، كن متأكدا اننا نعرف تماما ما يجرى ، فلا تقلق وانعم بسمائك دون محاولة النزول لنا دائما ، فقد تأكد لى أن لعنة الله على كل الموجودون هنا ، انت فقط من تستحق الحزن والوجع ، اتقوى بك على ذلك العالم الكاذب المنافق ، اتقوى بك اتقاءا للوقوع فى براثن المدعين بالوجاهة والكذب ، الساعين لاثبات ذات غير موجودة إلا فى علب التونة ، قوينى بك حتى اموت فانا اكره تماما التونة المعلبة
لعنة الله على المعلبين
مع خالص التحية ودعائى بودوام التحليق
بحبك
بحبك
وحشتينـــــــــــــــــــى أوى

Thursday, January 24, 2008

سرير الرجل الايطالى


رواية الروائى الشاب محمد صلاح العزب
صدرت من دار ميريت للنشر والتوزيع
وسيقام حفل توقيع الرواية بأذن الله
1 فبراير بسراى 4ب
فعلى من يرغب فى القراءة لكاتب مشاكس مشتبك وجرىء واثار الكثير من الأراء المتناقضة عندما نشرت روايته فى جريدة الدستور ثم تم منعها
فليذهب ليعرف لماذا منعت من النشر فى جريدة الدستور وها هى نشرت بالفعل ، بل وتباع ايضا ، وها هو جزء من رواية محمد صلاح العزب ربما يفيدكم بالالمام بموضوع رواية "سرير الرجل الإيطالي"
****
حين تركت بيتي القديم صرت بلا ظل نهائيًّا، أسير في الشارع متخفيًا، حريصًا على ألا يلحظ أحد أنني أمشي وحدي.
قبل ذلك كان ظلي يلازمني كمرض مزمن، يشاركني حتى لحظات التبول العجلى إلى جوار حائط متهدم.
في أوقات كثيرة يكون لي أكثر من ظل، اثنان، ثلاثة، أربعة، حتى سبعة، ولكي أتأكد من وجود ظلي الحقيقي بينها أطفئ كل الأنوار، فتتجمع الظلال حولي وتحاول قتلي.
فتشت عنه في كل مكان حتى يئست، في النهاية أَرْسَلَ إليَّ تلغرافًا: "لا تبحث عني".
البيت القديم ترك داخل روحي نقوشًا عميقة لها شكل أرضية خشبية، ومقابض لامعة لأبواب بضلفتين، وصوت صرير حاد لنافذة لا تفتح حتى آخرها.
لم يسكنه أحد بعدي، فبدا موحشًا مهجورًا، ليس به سوى ظل ثقيل يبكي كثيرًا، ويتحرك في بطء.
1
"كُلُّ الطُّرُقِ مَثْنَى، إِلاَّ هَذَا الطَّرِيق، ذَهَابٌ فَقَطْ، احْمِلْ حَقَائِبَكَ، وَمَلابِسَكَ الَّتِي لَنْ تَرْتَدِيَهَا مَرَّةً أُخْرَى.
عَلَيْكَ أَنْ تَهْتَمَّ جَيِّدًا، وَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مَنْ سَبَقُوكَ.. هَلَكُوا جَمِيعًا".¨
لن أخاف الرجل الإيطالي.
ليس في شارعي مارة، ولا سكان، ولا مصباح، ولا أصوات آدمية، فقط نباح كلاب سوداء، تظهر وتختفي في الظلام، ألمح أحدها يجرجر أحشاء طائر نافق إلى الحائط ويأكلها، تهاجمه قطعان كبيرة من الكلاب، فيستسلم لها، تستولي على طعامه، وحين تجد أنها لم تشبع تأكله هو الآخر.
أسير وحيدًا بملابسي السوداء، فأشعر أنني واحد منها، أحاول التخفي مرتجفًا من البرد والخوف، أغوص في بركة عميقة من الوحل الذي خلَّفه المطر فيبتل حذائي وسروالي.
ببطء شديد يقترب البيت مني، يلوح في آخر الشارع الطويل قاتمًا بعد أن لوَّثه المطر ليومين كاملين، فبدا حقيقيًّا، منعزلاً ومنبوذًا، أنظر إلى الخلف فأجد كل البيوت البعيدة متحاضنة ومتماسكة، فلا يستطيع الشتاء أكثر من غسل واجهاتها التي تلمع في هذا الليل السمج.
لن يطرق بابي أحد، لكنني لن أخاف الرجل الإيطالي، سأستمتع بغنج زوجته وهو يضاجعها دون أن أهتم بفهم الكلمات الإيطالية التي تنطق بها في لحظة النشوة.
كجبانة قديمة يمضي حارسها الليلي وقته في اغتصاب الأطفال يقترب البيت، وتبدأ السماء في إصدار أصوات رعد عالية، ينبغي أن أسقي الوردة الحمراء الموضوعة في الحمام، وأن أغسل جوربي.
على باب الشقة تواجهني اللوحة المعلقة، نحاسية ولامعة كأنما صنعت لتوِّها، تحمل اسمه ومهنته بالإيطالية، أسفل اللوحة مطرقة على هيئة امرأة عارية، يمسك الطارق جسدها الناعم بيده، فيحتوي نهديها وفخذيها، وتطرق هي الباب بمؤخرتها بصوت عال.
أفتح الباب، يهب عليَّ هواء قوي من الداخل به روائح متداخلة، أميز من بينها رائحة حذاء الرجل الإيطالي، وعطر زوجته، أضع المفتاح في جيبي، وأكتفي بدفع الباب خلفي دون أن أغلقه بالمزلاج العتيق.
على نور الصالة الذي أتركه مضاءً دائمًا، تواجهني اللوحة الكبيرة، بداخلها "مار جرجس" يطعن التنين برمحه في مكان القلب تمامًا، فلا يظهر هذا التنين في أية لوحة تالية.
أتحاشى النظر إلى القديس، أفقد شهيتي للطعام رغم جوعي الشديد، أدور في الشقة بملابسي المبتلة من المطر، ولا أفكر في أن أبدلها، أجلس على أول كرسي يقابلني، وأفاجأ بعد أن أستيقظ أنني نمت.
ـ ..... ـ
البنت الأجمل في شقة المغتربات لها شعر بني وعينان عسليتان، تبدأ يومها بالاستحمام، تجلس أمام المرآة، تصفف شعرها القصير وتتركه مسدلاً، تضع الكريم المرطب على بشرتها، تُلوِّن شفتيها فقط، وتسكب عطرًا كثيرًا، دون أن تستعمل إلا يدًا واحدة.
لها حجرة مستقلة بمفتاح من الداخل، بعيدة عن باب الشقة، بها نافذة صغيرة تطل على المنور الداخلي لا تغلقها ليلا أو نهارًا. في حين تسكن الثلاث الباقيات في غرفة واحدة.
أغلق النور، أتلصص عليها من خلف شيش حجرتي المواجه لشباكها المفتوح، أكشف غرفتها: السرير الصغير، والدولاب الخشبي المتهدم، والتسريحة القديمة بمرآتها المُبقَّعة بالسواد.
تدخل الغرفة مُلتفّة ببشكير أبيض، تنزعه عنها بمجرد أن تغلق الباب، لا يبدو لي جسمها الجميل ناقصًا، تُنهي زينتها بذراع واحدة بمهارة، وتبذل جهدًا في تثبيت أحزمة الذراع الصناعية بمفردها حتى لا تطلب مساعدة منهن.
حين تذهب البنات إلى بيوت أهاليهن في القرى البعيدة، ويتركنها وحدها، تبكي كثيرًا، وتتكلم بصوت عال، تحكي حكايتها، بطريقة مختلفة في كل مرة وبتفاصيل جديدة، تزيد من بكائها عند مواقف معينة، وأحيانا تضحك، تنام دائمًا قبل أن تنتهي، ترمي جسدها الجميل على سريرها كيفما اتفق، كطفلة صغيرة أرهقها لعب يوم كامل، طفلة تمتلك سرًّا أطول من شعرها، وأكبر من حلمها الذي لم يتحقق، لم يطَّلِع عليه سوى جار يتلصص لتزجية الوقت، دون أي نوايا سيئة لكشف هذا السر.
ترتدي بلوزة بكمين طويلين وقفازين، تُسوِّي شعرها القصير، تضع يدها الصناعية في جيب بنطلونها الضيق، تعلق حقيبتها على كتفها السليمة، أسمعها وهي تغلق باب حجرتها بالمفتاح من الخارج، وتنزل.
2
"لاَ أَحَدَ يَذْكُرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي خَاضَ أَوَّلَ مَعْرَكَةٍ نَاجِحَةٍ مَعَ أُنْثَى.
ابْتَكَرَ تَقْبِيلَ المَنَاطِقِ الْحَمِيمَةِ، وَمُدَاعَبَتَهَا بالْلِّسَانِ، واخْتَرَعَ أَوْضَاعًا لِلِّقَاءِ يَزِيدُ عَدَدُهَا عَلَى ثَلاَثِمَائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ وَضْعًا، وَحِينَ انْتَابَهُ الضَّعْفُ ذَاتَ مَرَّةٍ وَأَخْفَقَ، بَتَرَ عُضْوَهُ بِشَفْرَةِ حِلاَقَةٍ، وَمَاتَ". بيت قديم من ثلاثة طوابق في آخر شارع طويل قريب من البحر، لا يقطع صمته سوى نباح كلاب ضالة، تتمشى بالخارج طوال اليوم، ثم تعود ليلا لتقضي حاجتها وتتضاجع.على جانبي الشارع، تتناثر بيوت قليلة لم أرَ أحدًا يدخل أو يخرج منها. ثلاثة طوابق بأسقف عالية ـ مما يجعل ارتفاعه أقرب إلى بناية حديثة من خمسة أو ستة طوابق ـ وليس به سكان سوى في الطابق الأوسط: شقتي، تواجهها شقة المغتربات.
البدايات تتلاشى.. متى سكنتُ في شقة الرجل الإيطالي؟ ومتى أتت المغتربات ليسكنَّ الشقة الأخرى؟ كأنما لحظة الخلق الأولى كانت هنا، في شارع معتم يفصله عن العمران مقهى صغير في أوله، لا يفكر أحد في تجاوزه.
قبل المقهى تكون الحياة طبيعية تمامًا، وبمجرد عبوره ينقطع كل شيء فجأة.
أمام البيت أرض خلاء واسعة، كصحراء صغيرة مزركشةٍ بكل ما نجح الهواء والكلاب في جلبه من فضلات، وسط هذه الصحراء شحاذ عجوز في كوخ خشبي قذر، يدخن طوال الوقت، ويصدر صوتًا مزعجًا حين ينام.
الجالسون على المقهى في أول الشارع لا يدعونني للجلوس، أرغب في أن أسحب كرسيًا وأقعد، أطلب ينسونًا، وألعب الورق منفردًا، وأواسي نفسي حين أخسر آخر ما في جيبي، لكنني لست ثقيلاً إلى هذا الحد حتى أجلس دون دعوة.
ـ ..... ـ
الباب العتيق بلوحته الإيطالية، والمرأة اللعوب التي تحك مؤخرتها للغرباء في مقابل باب شقتهن الذي يفتح في الاتجاه المعاكس، أتلصص منه عند مروري متلكئًا، أرى ربع الصالة، وشريطًا رفيعًا من حجرة داخلية، وبنتًا على الأقل بقميص نوم، أو بنطلون جينز وبلوزة دون أكمام.البنت الأجمل لها حجرة بمفردها تغلقها عليها، وحتى لو كانت مفتوحة، فلابد لمن تريد الدخول من أن تطرق الباب. لجدران البيت لون أصفر كالح، بياض الأبواب كَسَتْه خضرة كابية، السلم واسع ورطب، درابزينه الحديدي يحمل سوادًا قديمًا مشبعًا بالتراب والصدأ.أكره وقع خطواتي فوق رخام السلم الناعم، أصعد على أطراف أصابعي، وأنزل على كعب حذائي محاذرًا من إصدار أي صوت. جرس الكنيسة البعيد يدوي بقوة فيشدني إليه، وحين أمر أسفل برجها الضخم يرعبني مرأى الجرس الهائل كأنه سيهوي فوقي بكل ثقله النحاسي. لم يدق مرة واحدة وأنا بجواره، يقف متصنعًا الهدوء، كأن جرسًا آخر هو الذي أفزع روحي منذ قليل.
ـ ..... ـ
لن أخاف الرجل الإيطالي. سأدفن خوفي داخل روحي، وأخلع ملابسي بطريقة عادية، أروح وأجيء بسروالي الداخلي الصغير كأنه غير موجود. وحين أدخل الحمام لن أغلق الباب خلفي، ولن أحاذر وأنا ألقي بحذائي جهة الباب حيث يقف.أضيء نور الشقة كله، وأغلق باب حجرتي ورائي، أدخِّن حتى يعبق الدخان المكان، فألمح بصعوبة الأشياء المتناثرة: سروال متسخ، زجاجتي خمر خاويتين، أوراق جرائد ملونة ببقايا طعام، أعقاب سجائر، وصورة عارية تبدو فيها الأعضاء المذكرة أوضح. بالطباشير الملون أرسم على الحائط وجهًا لفتاة، بشعر قصير وملامح فاتنة تحمل ألمًا، كوردة وحيدة نبتت بطريق الخطأ وسط عاصفة ترابية.أجلس على الأرض غير مهتم باتساخ ملابسي، أغفو قليلا، ودون أن يزورني أي حلم أستيقظ، أشعر بوحشة تطبق على روحي، ينفذ فيّ نباح عال، أخمن أنه لكلب هزيل عجوز، أعتدل متألمًا من صداع شديد، ولعاب كثيف متجمِّع في حلقي، أحاول طرده فأفشل، يسيل إلى الداخل أكثر، أشعر بقرف شديد، أفكر أن أقذف الكلب بأي شيء حتى يكف، أفكر أن أنبح مثله، عضوي منتصب دون سبب، أجهد نفسي لأتذكر هل حلمت بشيء، فلا أفلح.أقوم بصعوبة، أقف خلف الشيش، ألمح البنت نصف عارية تمارس العادة السرية بيد واحدة، أضع يدي داخل سروالي وأفعل مثلها دون أن أحرك يدي الأخرى.
ـ ..... ـ
سأخصص جزءًا من وقتي يوميًّا للعناية بالوردة الموضوعة في الأصيص داخل الحمام، أسقيها وأزيل عنها الأتربة وأنظف تحتها، أرشها بالعطر حتى تعطي رحيقًا طيبًا، أدهن أوراقها بالكريم المرطب فتصبح ناعمة تمامًا، أُقلِّم أشواكها، وأضع لها طلاء أظافر أحمر.ساعة على الأقل، وأشتري لها إطارًا زجاجيًّا أضعها فيه إذا ذبلت حتى لا تضيع رائحتها. منذ وقت طويل لم أستعمل زجاجة عطري، لم أتعطر قبل ذلك أصلا، لكن كان ضروريًّا أن تكون لي زجاجة عطر، ووردة، وإطار زجاجي، وأصيص، حتى يمكنني أن أمضغ حزني بسرعة دون أن تتكسر أسناني، ودون أن يتشقق لساني ويتساقط قطعة قطعة من قلة الكلام.أرجع من عملي متأخرًا جدًّا، وأستيقظ مبكرًا من أجل البنت، أنتهي من وضع ملابسي على جسدي، وأراقبها وهي تمارس طقوسها الصباحية بنفس الحماس.
حين أسمع صوت تكة غلق بابها من الخارج بالمفتاح أبتعد عن الشيش، وأهرول إلى عين الباب السحرية، أراها فتحت باب شقتها، تقف قليلا كي تتذكر هل نسيت شيئًا أم لا، ثم تنزل.أسير وراءها من بعيد، كأب يراقب ابنته المراهقة حريصًا على ألاَّ تراه، لكن البنت تتمكن من رؤيتي، وتعرف أنني أسير وراءها يوميًّا حتى باب جامعتها.كأب يشك في ابنته التي صارت تسهر كثيرًا، وتكتب خطابات غرامية، وتهتم بزينتها على غير العادة، ويفشل في النهاية أن يراها مع أي ولد، فيرتبك ويفقد القدرة على اتخاذ أي قرار، ويتمنى بشكل حقيقي أن يرى ابنته مع ولد ما، حتى يهدأ، ويفكر في التصرف بشكل مناسب.لم تكن البنت تكلم أي ولد، ولم أجرؤ أنا على التقدم، وصارت تتعامل مع أمر سيري اليومي خلفها كأنه لا شيء، وإن كانت تتعمد اصطناع حِيَلٍ صغيرة حتى توقع بي، فأواجهها وتلتقي عيناها بعينيّ، لا أفهم هل تفعل ذلك حتى أكلمها أم لتردني. لكنني في كل مرة أتصرف كأنني واحد غيري وغير الذي راقبها في المرات السابقة، أواصل طريقي بهدوء، كأنني لا أراها عارية كل ليلة في حضن واحدة من زميلاتها في السكن.
ـ ..... ـ
حين كان سروالي ممزقًا من المؤخرة لم يكن لي أخ أرتدي سرواله، ولا صديق يوافق على إعارتي سروالا يليق بمدرسة مشتركة، يتبادل فيها الأولاد والبنات قبلات مختلسة، كانت لي جدة عجوز بعينين كليلتين، تخيط السروال الكحلي بخيط أبيض، فيبين الخيط وسط الفلقتين واضحًا وقبيحًا، يهدد بالتمزق لدى أي جلوس أو انحناء، فتظهر مؤخرتي مباشرة؛ لأنني لا أملك سروالا داخليًّا.صرت حريصًا على إبعاد مؤخرتي عن العيون، أختار الدكة الأخيرة في الفصل، أخرج آخر واحد، أسير في خطوات جانبية معطيا ظهري للحائط، أسدل قميصي للخارج، أقف في نهاية الطابور مطيلا ذراع حقيبتي حتى تسقط من على ظهري، وتستر عورتي.
ـ ..... ـ
تدخل البنت إلى الجامعة، أظل واقفًا حتى تختفي، حين أتراجع يصطدم بي شخص بقوة، أرفع يدي لأعتذر له فأفاجأ بأنه أعمى، يعتذر هو، ويطلب مني أن أوصله، أظل صامتا ولا أتحرك؛ حتى أبدو غير موجود، لكنه يواصل إلحاحه متأكدًا من وجودي، فأخمن أنه يرى ويمثِّل أنه أعمى ليختبرني، برودة يده التي قبض بها على يدي بقوة تنفذ داخل روحي، أصابعه قاسية وناعمة، أوقن أنني لن أستطيع التخلص منه.لم يتكلم طويلا، وصف لي المكان الذي يريده وصمت، بعد أن أوصلته لم يشكرني، ولم أصدق أنني تحررت من قبضة يده، بعد مسافة التفتُّ خلفي فوجدته واقفًا كما تركته يحدق فيّ، أسرعت خطوي دون أن ألتفت مرة أخرى.أركب الأتوبيس العام دون أن أنظر إلى رقمه، ولا أعرف إلى أين سيذهب، أغافل المحصل والراكب الوحيد، وأخرج قلمي لأرسم على الكرسي جسد امرأة عارية دون وجه، ثم أقوم مسرعًا وأنزل من الباب الأمامي، متوسلا إلى السائق أن يقف قبل أن تأتي المحطة.أنزل على الكورنيش، أعبر الطريق وأقف في مواجهة البحر، تقف امرأة شابة بشعر أشقر وشامة كبيرة فوق شفتها العليا في مواجهتي تمامًا على الشاطئ المقابل الذي لا أراه، أفتح لها أزرار سروالي، فأشعر بيدها الدافئة بالداخل، قبل أن أصل إلى لحظة النهاية أدفع يدها وأغلق الأزرار، أجد جريدة قديمة على الأرض يقلب الهواء صفحاتها، حتى تقف على إعلان يقول إن حشرات المنزل لم تعد مشكلة.أمامي خمس ساعات حتى يحين موعد عملي، أسير دون هدف، أفاجأ بنفسي أمام باب البار الذي أذهب إليه كل مرة، أدخل، أجده هادئًا ونظيفًا كأنما لم تمر به ليلة صاخبة، أختار الركن الأبعد وأجلس، يبتسم النادل لي ثم يغيب طويلا، يضع أمامي كأسًا مقلوبًا وزجاجة، ثم ينساني نهائيًّا.
كل مرة أقول لنفسي إنه يعرفني، دومًا يمنحني ابتسامة طيبة بنفس ود المرة الأولى، أريد أن أسأله إذا كان يعرفني فعلا أم لا، وأقول له إنني نفس الشخص الذي يجلس هنا كثيرًا.لكنه بعد أن يضع لي الزجاجة ملفوفة بمنديل ورقي أبيض والكأس اللامع لا ينظر حتى يرى إذا ما كنت سأطلب شيئًا آخر أم لا. يقف بعيدًا في بقعة رديئة الإضاءة يدخن ويعقد يده على صدره، وحين يأتي ليأخذ الحساب يبدو متعجلا وخجلا من البقشيش الزهيد الذي أعطيه له.يمنحني ظهره مسرعًا، كأنه يحاسبني لأول مرة، وكأنما يأخذ مني بقشيشًا زهيدًا للمرة الأولى.
ـ ..... ـ
أنتهي من عملي وأخرج، المطر ينزل بشدة، وتأثير الخمر ما زال يرفع روحي، فأسير غير مكترث بالقطرات الثقيلة المتهاوية على رأسي.الرجل الإيطالي ربما يخرج لي من خلف أي حائط، سيحاول ضربي بمُدية حادة حتى لا أعود إلى البيت.في طريقي أمر بالجبانة القديمة، أسمع الموتى يختلسون حديثًا مبتورًا، لابد أنهم يحبون المطر، يحلم كل منهم أن ينبت له إنسان جديد، حين يشعرون بوقع خطواتي يصمتون تمامًا كأنهم موتى حقيقيون.أختبئ لهم خلف السدرة الكبيرة لأستريح من الماء الذي يبلل ملابسي، فيواصلون حديثهم، أجد أحدًا منهم لا يسمع الآخر، هل أخرج لهم ليعلموا أن خديعتهم قد فضحت؟ لكنني أخاف من الحارس الضخم الذي حاول أن يغتصبني وسط المقابر وأنا صغير، فأنصرف.في أول شارعي عند البقعة الفاصلة بين المنطقتين حفل زفاف، عروسان متشابهان كأنهما شخص واحد من نسختين: ذكر وأنثى، في أثناء المضاجعة لن يشعرا أبدًا بالمتعة الكاملة، سيشعر كل منهما أنه فقط يمارس العادة السرية أمام مرآة.

أتفرج قليلا على الراقصة التي بدت بائسة وحزينة، كأن وراءها قصة تصلح لفيلم قديم في بداية ظهور الألوان، حيث الممثلون مرسومون بالألوان الخشب، حركاتهم آلية جدًّا، حتى القرب الجسدي رسمي وغير مثير.الأصباغ على وجهها جعلتها أقرب إلى خادمة ريفية عبثت بزينة سيدتها خلسة دون أن تضيء النور، جسمها بدين وممتلئ بكتل الشحم، أَمَلُّ من الوقوف فأمشي، أخرج قطعة طباشير ملونة من جيبي، وأكتب على قماش السرادق من الخارج بالعربية والإنجليزية:
النهاية

The End

فيظلم الفرح تمامًا، وأسرع قبل أن يلحظني أحد.

بمعرض الكتاب "سرير الرجل الايطالي" تصدر خلال أيام

عن دار ميريت للنشر بالقاهرة

كاتب مصري، القاهرة

mohamedal3zab@gmail.com


Tuesday, January 15, 2008

حين ميسرة .. يمكن

فيلم يسحبك بالمزة .. لتخرج منه عاجز جنسيا

أخرج دائما بعد مشاهدة أى فيلم يعجبنى ويؤثر فى وجدانى فى حالة توحد تام معه فتؤرقنى أحلامى ، وأظل فزعة منها حتى تتحقق أو أتيقن انها مجرد أضغاث لكن ما حدث معى أمس شىء آخر لا هو أحلام ولا أضغاث ، إنما رعب نعـم رعب ، لقد قضيت ليلتى أشعر بأننى مرعوبة خائفة من كل كوارث الكون بداية من الفقر الذى جعل "عادل " يترك حبيته وابنه ل" حين ميسرة " ومرورا بالخطف الذى قام به سائق الاتوبيس للطفل التى تركته "ناهد" فى الاتوبيس لوحدتها وفقرها ايضا فباعه والإغتصاب الذى وقع عليها من كل من قابلها والإحتلال الذى غطى الوطن العربى تقريبا ، ونهاية بمصير أبنتى ، ترى الى اين المصير ،هل ستقف فى الاشارات أم على أعمدة الإنارة أم أم ـ انها اسئلة كثيرة طرحها بلا أجابة حقيقية ، رفقا بنا وبعقولنا المزدحمة طول الوقت بأفكار السعى وراء لقمة العيش ، تخيلوا اننى حلمت بعد مشاهدتى للفيلم أن طيارات مرعبة غطت سماء القاهرة وأخذت تلقى بالقنابل فى كل مكان ، على فكرة ليست المرة الاولى التى احلم فيها ذلك الحلم وانهض فزعة منه ثم أمن الدولة فرغم عدم إحتكاكى بالسياسة ، لكنى قلت لنفسى ربما اتهم بالجاسوسية لحساب "محمد المزاول"عامل الشيشة..


أن يضعنى فيلم عربى فى هذه الحالة لهى بالتأكيد علامة بالنسبة لذائقتى المتواضعة لطفرة ستحدث فى السينما العربية بسبب ذلك المخرج العبقرى ، التلميذ النجيب حقا لأستاذ لا يمكن إغفال قيمته الواضحة فى الفيلم ، "خالد يوسف " سامحه الله ، أول الأمر خبط على جبهتى بخبطة اصابتنى بدوار عندما شاهدت فيلم "ويجا" الذى ظلمه عنوانه بكل تأكيد ، حيث أن الرمز هنا لم يخدم على الفيلم اطلاقا ، ثم هنا يخبطنى فى الحائط بظهرى ويردنى أكثر من مرة الفيلم "حين ميسرة" ليس فيلما إنما هو سيمفونية أداء رائع عزفها كل ابطال الفيلم بلا استثناء بداية من البطل الكبير "عمرو عبد الجليل " الذى اعيد إكتشافه بعد كل هذا العمر مرة أخرى فى دور بارع ل"فتحى" السلبى الذى يقضي حياته ويموت وهو لم يفهم شيئا ولم يتعلم من الحياة أى معنى للانسانية "عمرو عبد الجليل " الذى حرت فى البحث عن صورة له على النت وكأنه لا يهتم اطلاقا بالاعلام والاعلان له ثم الممثل الشاب الذى قام بأداء الادوار بطبيعية وبساطة وشجن لا يظهر الا من " عمرو سعد " ذلك الممثل الذى صبر ونال فعلا ، فقد ظل "عادل " عمرو سعد يمثل ادوارا صغيرة فى شركة افلام مصر العالمية لاكثر من 8 سنوات ايمانا منه بالفن الحقيقى الجميل وايمانا منه ان ثروته لن يقدر على استثمارها الا هذا المكان ،فجاء صبره بنتيجة عظيمة ، بطولة لفيلم سيعد فى الفترة القادمة من أقوى افلام القرن الواحد والعشرين وعلامة لن يمحوها الزمن أبدا ، أما البطلة "المزة "سمية الخشاب" والتى اعتقد ان المخرج الذكى ، اتى بها ليدخل له الجمهور واهما بأنه سيرى ما يريده من فيلم "سكس" على الشاشة حتى أن لى صديق مثقف وروائى قال لى هكذا حرفيا "تخيلى أنا مستعد أتجوز سمية حتى لو لها اخطاء الدنيا ولو هاتخطىء قد عمرها مرة تانية " انت متعرفيش سمية يعنى ايه " ولكنها الخدعة الكبرى سيدخل الجمهور الذى يرغب فى "المزة" ليخرج مختوما بختم الآلم والوجع والانهيار ، ليخرج نادما على الراحة الذى ينعم بها فى ظل وجود "ناهد " فى المجتمع تنتهك وتهان ولا يأخذ احد حقها ، "سمية " كانت تؤدى رغما عنها بطبيعية فقد قامت بأداء رائع فى مشهد تركها للطفل فى الاتوبيس ، نعم فناهد لا يمكن ان يكون رد فعلها أكثر من ذلك ، جمود مؤلم لها ولمن حولها ، اما "غادة عبد الرازق " فقد أدت دور المثلية الجنسية بجرأة تناسب نوعية هذا النوع من النساء ، أما الممثلة القديرة "هالة فاخر " فقد ركبت شخصية "أم رضا " وكأنى أجلس معها فى الغرفة الصغيرة فى عزبة الصفيح هى تلك الام الحنون الجدعة التى تعيش تحت حد الفقر وسعيدة بالغويشتين حق الدفنة ، هى تلك الأم التى ترمى بشبابها تحت قطار العمر ليركب فيه أولادها ، ثم تتسلل بنعومة لأداء مميز وفارق ل"وفاء عامر " نحمدو" التى تنتظر هى الاخرى عودة الغائب من العراق والرجل الذى أدى دور أخيها الممثل الكوميدى "سليمان عيد " فى مشاهد لن يؤديها ببراعته الا هو فعلا باصطحابه لنسناس بعد طول غياب وهو عائد رمز مرعب للكارثة التى مر بها الوطن العربى فى العشر سنوات الماضية التى ناقشها " خالد يوسف " فى فيلمه ، وننتهى بمشروع للأمل والتفاؤل تم خلقه فى الفيلم ليس من خيال وعقل المؤلف البارع أو المخرج الاروع لا بل خلقتها قدرية احداث الفيلم ، لقد جعلنى اشعر اننى اسكن فى العزبة ، صديقة "نحمدو" و"مريم " زوجة فتحى الثانية الذى تزوجها عنوة رغم عن أخوها ، اننى ابنة "أم رضا " وأخت رضا وعادل وكانت مفاجأة بحق هذا الممثل الذى كان لابد له أن يخرج من عباءة التليفزيون ،


ليرتدى زيا رسميا مهيبا من شأنه ان يضعه فى مصاف النجوم الحقيقين " احمد سعيد عبد الغنى " بلا اى مبالغة او تمثيل للتعاطف قام بدور ظابط المنطقة حتى نسيت اننى أعرف ذلك الرجل كممثل من قبل ، اما الاولاد والبنات فى الفيلم ، يحلو لى الاعتقاد بأن خالد يوسف إستعان بالفعل بالاولاد الذين يفترشون كورنيش النيل ، ربما ، لكن تبقى حقيقة غير قابلة للشك بالنسبة لى ، فقد سمعت فنان الكوميديا الزعيم عادل امام فى لقاء له فى البيت بيتك يقول ان مسرحياتى تعالج الناس جنسيا ، فأكثر من مرة أقابل ناس يقولون لى اننا عدنا سعداء ف... (يعنى عملوا واحد يعنى ) ومعه كل الحق بالطبع فالسعادة تجعلك تحب وتمارس الحب ولكن أن ترى كل هذا القبح والتشوه التى تخاف دائما الصدام به ، الذى تمر بجانبه دائما مصمص شفتيك او متظاهرا بجمود القلب فهذا الفيلم هو صعقة كهربية كفيلة بشل كل حواسك كلها إلا العقل ، كفيل بجعلك تنفض عن عقلك الغيبوبة التى تعيش فيها باختيارك هروبا من واقع لا يحتمله إلا الحيوانات ، يجبرك على ان تشعر بأخرين ، تراهم رؤى العين يبكون ويموتون ، ولا يتحرك لك ساكنا ، ترى هل تستطيع بعد هذا الفيلم ان تنام هادئا بلا أحلام مزعجة ،اذا كان فليكن .
جرعة كآبة ربما ، لكن هو يلقى بالامل فى اخر الفيلم ، عندما يركب الاب والام والابن والجيل الجديد من عالم ليس مهمش ، لا بل عالم يحكمنا يتحكم ، هو وقود الكبار الحقيقى ، عالم يسهل على الحكومة تماما أن تدهسه تحت البلدوزرات ببساطة إذا لزم الامر ، الامل جلس فوق قطار القدر الطاحن بعدما حافظ الولد والبنت على طفلهم ، فربما انقذاه وانقذا انفسهما من مصير من يركبون الان داخل القطار .


تحياتى لفريق الفيلم من تصوير ومزيكا وديكور ومونتاج واكسسوار وكل شىء
وفى اخر الامر اذا اردت ان تخرج سلبية من هذا الفيلم فلتفعل ولكن انا لم أجد وقتا لاقوم بذلك
ملحوظة : اعتذر عن الاخطاء النحوية







Sunday, January 6, 2008

هدوء القتلة خارج من روح ملائكية

أول اصدارات 2008 لدار ميريت -
الجزء الال من راوية "هدوء القتلة" للروائى الشاب
طارق أمام
1
تبدو القاهرة لمن لا يعرفها مدينةً شديدةَ الضخامة ، غير أن القتلة فقط – وهُم حالمون بالضرورة - يُدركون أن ذلك غير صحيح.
صدقتُ دائماً أن تاريخ الدماء هُنا بدأ من حكاية ناسك ، كان يسكن قبواً قامت فوق أطلاله فيما بعد تلك البناية الزجاجية الضخمة التي صارت رمزاً للمدينة الشاحبة. البنايةُ التي يمكنك أن تراها من أي بقعة ، والتي أقف الآن في شرفة طابقها الثالث والعشرين.. أراقب الصباحَ من خلف النوافذ بوجهٍ غائبٍ ، يفتش في البيوت البعيدة عن بقاياه. ربما أتطلع أيضاً للطائرات الورقية التي تصطدم كل لحظاتٍ بالواجهة ، لتخدش - في كل مرة - قطعة جديدة من جسدها. نعوشٌ صغيرة وهشة تطارد الهواء الشاسع ، يلتصق بعضها بالزجاج قبل أن تنفلت مدفوعة بالخيط.. كأن يداً بعيدةً لإله مغدور تُحركها.
كان الناسكُ حليقاً ، بما يليق برجلٍ رأى الله كثيراً في مناماته و عرف أقصر الطُرق لتجنبه . في أذنه اليسرى قرط معدنى على هيئة ثعبان مجنح يتدلى حتى كتفه ، ومكان أذنه اليسرى - التي سقطت ذات يوم فجأة ، بعد أن تآكلت من طول التنصت على غرف المدينة المغلقة – ثَبَّت قماشة.
كانت الفئران تتقافز في حجره ، تلتهم فتات الخبز الذي يتبقى من طعامه ، وبيده المقدسة تعوَّد أن يُملِّس على فرائها المنحولة ، ويتحسس ذيولها المتطاولة الملتوية المنفلتة على الدوام من بين أصابعه. من أنوفها الدقيقة تتساقط نقاط الدماء وتذوب في جلبابه ، ولكنه رغم ذلك لم يكن يخشى الطواعين.
ليست الفئران وحدها شريكة صباحاته .. يخرج النمل من جحوره وتتمدد السحالي على الحوائط ، ومن الكوة المفتوحة في الجدار الذي يسند إليه ظهره تدخل النسور مدوِّمة الهواء الشحيح إنذاراً بموتٍ قادمٍ أو تنبيهاً بجثمان فاحت رائحته دون أن ينتبه الناسك الغارق في أحلام يقظته.
في أحيان كثيرة كان يمد رأسه من تجويف الكوة غير منتظمة الحواف. كانت الفتحة المرتجلة بحجم رأسه بالضبط ، لذا كان يجد صعوبةً حقيقية عند إدخاله من جديد ، ويعتقد لوهلة - لكن دون فزع - أن رأسه سيظل هكذا ، يطل على الحياة ، بينما جسده في الداخل يتيبس ويشيخ دون أن يقوى على فعل أي شيئ.
كان يتأمل المدينة التي صارت مكاناً آخر غير الذي وطأته قدماه منذ ما يزيد على مائة سنة. لقد كانت – حين جاء حافياً تحت شمس قوية - أشبه بدير كبير خالٍ لا يحتاج الناس فيه إثماً كي يتعذبوا.
كانوا يذبلون فجأة ، ويستيقظ كل صباح على حفرة جديدة تستقبلها الأرض ليُسكِنوا جثماناً جديداً سيضاف إلى تعداد الأشباح التي تطوِّق المدينة. وكانوا رغم ذلك يبتسمون طوال الوقت.. ولكنه كان يشخص – مثلما أفعل الآن كما أعتقد - فوق صفوف البيوت المتراصة الواطئة ، محركاً كف يده كمن يُلوِّح إلى مسافر يعرف أنه لن يعود ، بعد أن نقلوا كل الرفات إلى مكان بعيد عن تخوم المدينة ، وصاروا يتحركون مثل قطع صغيرة معدة للحياة في لعبةٍ غامضة.
كل صباح ، كان يمد أصابعه الخشبية النحيلة نحو المجلد الضخم: تاريخ غرامه السري. كان جميع من يتلصصون عليه أثناء تفحصه له بوجل - بينما تُغرِق دموعُه جلبابَه المهترئ - يظنونه كتاباً مقدساً. كانت هذه اللحظات هي الأشد سرية في صباحاته ، حيث يغلق بابه على نفسه ، مستعيداً هيئة الديكتاتور الذي كانه ذات يوم ، والذي كان قادراً على تحطيم جدران المعبد ، والمدينة ذاتها ، والعالم ، بمجرد نفثة غضب موجهة للسماء دون وسيط.. ليأمر بطرد الفئران وقتل الضوء الذي يَتسلل ليخون وصاياه.. يحنط الزواحف على حائطه بنظرة ويحيل النمل المتسارع في هربه لعلامات سوداء ميتة. وعندما يصير توحده نهائياً ، يبدأ يتصفح الأوراق. يتحسس وروداً شاخت وفراشات هشة يكفي زفير ضعيف للإطاحة بتاريخ صمودها.
طالما رأى أشياءً رؤية العين كانت تتحطم على صخرة الإفاقة من أحلام يقظته ، كالبنت النحيلة التي تعبر كشبح إلى غرفة نومه. تترك وردة تحت وسادته – بينما ترتبك الأحلام قليلاً من جراء التحريك الخفيف لرأسه – ويمد أصابعه محاذراً ألا تجرحه الأشواك أو تباغته اليقظة ، ولكنه كان يفيق ليكتشف أن الأوراق الحمراء المتفتحة تحت وسادته ليست سوى آثار لعابه الدموي. لعابه الدموي هذا نفسه تمنى أن يكون مسموماً ، ليضمن – إن قبَّل امرأة - أن يكون صاحب آخر شفتين تتذوقهما في حياتها. ولكن ، كان يقول: ماذا لو ابتلعتُ أنا السم؟ .. لن تخسر هي حينها سوى بعض الدماء على شفتيها مقابل قبلةٍ مقدسة.
هكذا ظل يتوهم حروباً لم يخضها ، ويحتاط لأشخاصٍ لن يراهم أبداً ، ووصلت ألفته بجدرانه حد أنه صار قادراً على تحريك الحوائط بمجرد النظر إليها ، وهدمها تماماً في ليالي مشيه الأبدي أثناء نومه ، وهو يحمل مجلده ، باحثاً في وجوه المدينة عن امرأةٍ تصلح لأحلامه القادمة.
ترك الرجل نسلاً كثيراً في أرجاء المدينة ، أبناء وأحفاد يحملون وجهه ، عينيه الملونتين وصوته المبحوح.. جميعهم قتلة متوحدين ، غارقين في منامات خطرة مثله ، لا يرون وجه الله سوى بعيون مغلقة.. وقد عرفتُ دائماً – دون أن أحتاج لجهد كبير - أنني واحد من هؤلاء.

Tuesday, January 1, 2008

بورتريه لمن حقق لى حلم الطفولة

بيت الأدب فى بيتى

منذ طفولتى وأنا أرى والدى يدخل البيت محملا بالجرائد والكتب تأخذ لفتها شكل الهدية تماما ، مما كان لافتا للنظر جدا بالنسبة لى كطفلة فضولية ، ينبه علينا والدى أياكم أن يقترب أحد من هذه الاشياء ، نصدق جميعا على كلامه "حاضر " وأنتهز اول فرصة بعدما يخرج ابى لعمله وتكون فيها أمى عند الجيران وأخواتى فى أى مكان ، وأدخل ذلك المخزن الذى كان يخبىء فيه ابى هذه الكنوز ، فأكتشف ان هذه اللفافات تحوى كتبا ، يبهرنى شكل الكتب ، فأجلس لأقرأها فى المخزن ولا أخفى عليكم ، لقد كان هذا المخزن يوما ما حماما "بيت أدب لامؤاخذة " لقد كان لدينا حمام اضافى صغير فى الشقة ، أغلقه ابى ليصبح مخزنا لأشيائه الخطيرة ، وكان دائما ما يصاحب أبى طقسا آخر غاية فى الاهمية بخلاف لفات الهدايا تلك فأنه بمجرد دخوله من باب الشقة وهو يبدأ بخلع الحذاء والجورب ، يحكى لنا عن ما مر به طوال اليوم ، فقد قابل الفنان الفلانى وجلس مع الصحفى العلانى وتعارك مع رئيسه فى العمل ووووو، الخ الحكايات التى جعلتنى اعيش داخل جريدته وكأنى معه دائما ، وكنت أرسم فى عقلى صورا متخيلة للصحفين الذى يحكى عنهم ابى ، وبصراحة عندما رأيتهم فى المبنى القديم الذى كان فى ش الريحانى ، هل تعرفونه بجوار محل التابعى ذلك المبنى القديم لإحدى المؤسسات الصحفية الهامة فى مصر ، صدمت عندما رأيت الصحفيين ، نعم ، فلم أكن أتصور ان الصحفيين يجلسون على المكاتب ابدا ، أو أنهم طبيعيون يأكلون ويشربون وينامون ، كنت أتصورهم صوتهم عالى فى الحق ، يمسكون الجرائد والكتب والورق طول الوقت ، كانوا بالنسبة لى معجزين ، نعم ، ومع الوقت ، تأقلمت على شكلهم الجديد الذى تكون عندى مابين منافقين ومدعين وغلابة ومبدعين مقهورين تقريبا أصابهم الخرس ، لكنى ظللت على اصرارى بالاحتفاظ بصورة ذلك الصحفى الذى تصورته هادئا متأملا ، شديد الحساسية فى التعامل مع الاخرين ومع نفسه ، شديد الاعتزاز بنفسه ، تصورته مغامر وحماسى وله القدرة على تحريك الاحداث ، كأله نعم وكلما كبرت فى السن وزاد عقلى نضوجا على ما أزعم لنفسى ازداد فى عقلى رسوخ الفكرة الصحفى إله ، فهو يخلق عالم مواز لعالم الواقع ، ولكنه ليس واقع ، وتصورت انه بالضرورة أن يكون الصحفى مبدع ولكن ليس شرطا على الإطلاق أن يكون المبدع صحفى ، هذا تصورى وقناعتى .

ان تصحو من الحلم
وعندما كبرت وساعدنى أبى للعمل معه فى الجريدة التى عشقتها منذ طفولتى وعشقت رائحة الورق فيها وخاصة رائحة المبنى القديم بأرواح كل الطيبين المبدعين الذين رحلوا ، عملت كسكرتيرة لمدير عام المؤسسة مما اتاح لى ان أرى كل الناس تقريبا فى المؤسسة الصحفية الذى اعمل بها ، فرأيت وجوها تختلف مليون بالمائة عن الوجه الذى يظهر به الصحفى امام زملائه وامام القراء ، رأيت كيف تحول المادة الأشخاص إلى عبيد فلا تجد هنا حرية رأى و"لا يحزنون"... بدأت أكفر بالصحافة وبالكلمة ، بدأت أرى أن صناع الرأى يحتاجون لمن يصنع لهم شخصيتهم ، وبعد التغيرات الصحفية التى حدثت بالمؤسسة ، تم نقلى للعمل فى المكان الذى أعمل به الأن فكان حظى أن أقابل ذلك الحلم الذى تخيلته هل تذكرون فى أول مقطع بأعلى الصفحة عندما قلت لكم ما أتصوره عن ما هية الكاتب ، نعم لقد قابلته أخيرا ، قابلت صحفيا من القلائل الذين يتمعون بصفات شديدة الحساسية والتميز ، فهو يفكر طول الوقت ، لايهدأ عقله ابدا ، رأيت بعينى كيف يبذل مجهودا خرافيا لتخرج مجلته على اكمل وجه ، كيف يقوم بأعمال ليست من اختصاصه كنائب ولكن يقوم بها محبة فى عمله ، فهو يتعامل مع الكبير والصغير بعدل لا أعرف كيف يحرص طول الوقت على تحقيقه كنت قد فقدت الأمل أن أجد صحافيا فى مؤسسة حكومية فى هذا الزمن يقرأ ، ربما سمعت عنهم هنا او هناك ولكن ان أراه رؤى العين.
تخيلوا حلمى تحقق
هاهو صحفى قرأ طنا من الكتب ويكتب كتابة راقية واعية تحترم عقلية قراءه ، يوازن موازنة حكيمة بين موهبته الإبداعية وكتابته الصحفية فى مقاله الاسبوعى وكذلك فى بعض الكتابات الاخرى الذى يحب ان يكتبها ولا ينشرها ، هذا الكاتب الشاب هو محمد عيداروس وهو يشغل منصب نائب رئيس تحرير ولد فى محافظة الشرقية فى 27/6/1971 تخرج من ليسانس آداب قسم الإعلام – جامعة الزقازيق - 1992 ، متزوج وله اربعة فتيات يعشقهن ويتمنى من الله ان يستطيع تكملة مشواره الصحفى بنجاح كى يفخرن به ، عمل فى الكثير من المجالات الإعلامية بدأها قبل تخرجه من الجامعة حيث كان رئيس أتحاد طلاب الجامعة وكان من أنشط الشباب بالكلية ، عمل كمحاضر بقسم الإعلام بكلية التربية النوعية بجامعة الزقازيق فرع بنها لتدريس التحرير والإخراج الصحفي والكتابه التليفزيونيه ثم محررا بالقسم الفني بمكتب الأنباء الكويتية بالقاهرة ومحرر بقسم التحقيقات الصحفية بمجلة الشباب ، أشرف على العديد من الصحف الإقليمية وعمل صحفي بالطبعه الدوليه لجريدة الجمهورية وكذلك صحفي بمجلة حريتى وشغل منصب مديراً لتحرير مجلة المبدعون الصادرة من إتحاد الإذاعة والتليفزيون ، وأشرف علي الطبعه العربية من المجلة الأمريكية المتخصصة آفاق صحية وكذلك صحفي بجريدة الخليج الإماراتية
وأخيرا

كل سنة وانتم بجد طيبين ومبدعين ، وبمناسبة بداية العام الجديد 2008 إذا أردت أن تتعرف على رجل بمعنى الكلمة قلما تقابله هذه الايام ، وإذا أردت أن تتعرف على كتابة صحفية جديدة ومختلفة وبها فكرة غير سطحية وغير ملغزة ، كتابة تنفذ الى عقلك وروحك وقلبك فعليك بقراءته .. احب أن ألفت النظر الى كاتب صحفى ربما لأنه لا يتواجد على مقاه وسط البلد و لا يتباهى بالكتابة المجردة عن الجنس والدين للفت النظر والسلام ، كذلك هو يقدر جيدا قيمة من يقرؤن له ، فمن يساهم فى تشكيل الرأي العام لابد ان يحترم عقلية من يتلقى منه ذلك الرأى وربما لأنه يكتب فى جريدة حكومية ومن المعروف الاحكام الجاهزة على كتاب الجرائد القومية ، ولكن هنا كاتب سيفاجئك إذا قرأت له ، عودنى حدسى على المراهنات الناجحة ، وانا أراهن بحدسى على عبقرية واستمرارية نجاح الكاتب الصحفى الشاب " محمد عيداروس " الذى يغطى على كتابته ذوى الاصوات الحنجورية والمواقف الثورية الذى لا يتعدى دخانها دخان الشيشة التفاح ، دخان يغشى العين ويرهق الصدر ولكن له رائحة جميلة فقط

تحياتى لشخصك ولكتابتك يا استاذ محمد